لندن – الاتفاق النووي الذي تم توقيعه بين إيران والغرب يراه بعض المتابعين لأوضاع الشرق الأوسط مدعاة لزيادة الاحتقان الطائفي والتشدد المذهبي، ذلك أن رفع العقوبات الاقتصادية عن طهران سيمكنها من تسخير عائدات الاستثمارات المالية لتدعيم أذرعها العسكرية في المنطقة، والتي تتكئ عليها إيران في مشروع تصدير ثورتها.
فهذا زعيم حزب الله اللبناني حسن نصر الله يرسل إشارات طمأنة للشيعة في لبنان تتمحور حول استمرار الدعم الإيراني، حيث قال إنه واثق من أن إيران “ستفحم” منتقدين يقولون إنها ستوقف دعمها لحزب الله. وأضاف “علاقات إيران مع حلفائها تقوم على أرضية عقائدية وتسبق المصالح السياسية”.
الباحثون في سياسات الشرق الأوسط والعلاقات الدولية، يرون أن الاتفاق المبرم بين إيران ومجموعة “5+1” في العاصمة النمساوية فيينا، سيؤدي إلى استمرار النزاعات العسكرية وازدياد التطرف السني الشيعي في الشرق الأوسط.
نديم شحادة الباحث اللبناني ومدير “مركز فارس لدراسات شرق المتوسط”، بكلية فلتشر في بوسطن الأميركية يقول “إن هذا الاتفاق لن يؤدي إلى سلام في المنطقة بل سيجعلها في حالة حرب وسيؤدي إلى تقوية التطرف في الجهتين (السنية والشيعية)”. وأوضح شحادة “بالنسبة إليّ هناك قاعدة بسيطة: إذا كان الهدف إراحة المنطقة من الصراعات وتحقيق السلام فيها فلا يجب السماح بتغلب السنة على الشيعة أو بالعكس، بل يجب التخلص من الحرس الثوري الإيراني وداعش في الوقت نفسه”.
ورأى الباحث اللبناني أن القتال بين الحرس الثوري وداعش أدى إلى تقوية الطرفين وجعل كل منهما يكتسب شرعية، مشيرا إلى أن كلا من هذين الطرفين “سيصبح أقوى ليس من الآخر بل تجاه منافسيه المعتدلين في بيئته، وهكذا نرى أن الحرس الثوري يسيطر على العراق ويقوّض نفوذ مرجعية النجف والمرجع السيد علي السيستاني بينما يحقق داعش مزيدا من النفوذ في المنطقة على حساب السعودية والأردن”.
وتطرق إلى تأثيرات الاتفاق على لبنان، فشدد على أن “لبنان يتأثر دائما بما يجري في المنطقة، وبالتأكيد لن يشهد أي استراحة لأزماته مع اشتداد التطرف في المنطقة”.
وانتقد شحادة الاتفاق النووي لأنه يشكّل دعما للحرس الثوري داخل إيران وفي المنطقة أيضا، وقال إنه “إذا كان هناك إيرانيون يأملون في التخلص من الحرس الثوري الذي يحتل بلدهم ويترك هامشا صغيرا فقط للعمل السياسي، تماما كحزب الله في لبنان، فإن حلمهم قد تبخّر الآن”.
من جانب آخر شدد مكرم رباح، الباحث في تاريخ العلاقات الدولية والمرشح لنيل الدكتوراه من كلية التاريخ بجامعة جورج تاون الأميركية، على أن “هذا الاتفاق لا يعني تقديم المنطقة لإيران على طبق من ذهب، على غرار الطريقة التي أعطي بها الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد نفوذا في لبنان والمنطقة بعد اتفاق الطائف، الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية عام 1990 برعاية سورية”.
وأردف قائلا “الإيرانيون كانوا يريدون رفعا فوريا للحظر على الصواريخ والأسلحة الباليستية، بينما نص الاتفاق على تأجيل حصول ذلك إلى فترة بين 5 و8 سنوات”، مضيفا أن “الأنظمة القمعية مثل إيران لديها سجل سيّئ في الالتزام بالاتفاقيات الدولية”.
وأقر بأنه “يمكن لهذا الاتفاق أن يريح النظام الإيراني داخليا، لكنه طالما احتفظ هذا النظام بمطامع توسعية إمبريالية، فنظامه الاقتصادي مهما كان قويا لن يلبي تطلعاته”.
التطلعات الإيرانية تطلعات طائفية مذهبية ترتكز على مبادئ الثورة الإسلامية الخمينية، فالتّطرف والطّائفية في إيران يعتبران من أهم مرتكزات نظام حكم ولاية الفقيه، الذي يرى أنّ الإسلام الإيراني هو الإسلام الحق إضافة إلى العديد من الشّعارات المبررة لإلغاء المكون السني، وتجعل من استهدافه أمرا مشروعا. وقد صرّح علي يونسي، مستشار الرئيس روحاني الخاص في شؤون الأقليات، أثناء زيارته للكنيسة اليهودية في مدينة شيراز في مايو 2014، قائلا “السّلفية والوهابية في الإسلام تشبهان الصهيونية عند اليهود والمسيحيين المتطرفين، إنهم يشكلون خطرا على الأمن والسلام العالمي، ويجب بذل الجهود لمواجهتهم”.
فمشروع “إيران الكبرى” يسعى للهيمنة على مساحة تَخُص أكثر من عشر دول في آسيا الوسطى والخليج العربي، وبيّن يونسي ذلك في كلمته خلال مؤتمر الأقليات بداية 2015، معتبرا أن كل سكان هذه الحدود المفتوحة هم إيرانيون، وكل اللغات والثقافات الموجودة هناك إيرانية، مؤكدا أن حدود “إيران الكبرى” مُتشبِّعة حسب رأيه بـ”الثقافة الإيرانية والدين الإيراني والروح الإيرانية”.
التمدد المذهبي الشيعي ومشروع تصدير الثورة سيكونان أساس التحرك الإيراني المستقبلي ما بعد الاتفاق النووي، حيث ستعمل إيران على توسيع دائرة نفوذها المذهبي بتكثيف عمليات الاستقطاب المذهبي وتوظيفه لخدمة أجندتها في التمدد بالمنطقة، إضافة إلى توسع دائرة التشيّع في مصر مستفيدة من فترة التقارب مع الإخوان، كما أن هناك تقارير جزائرية ومغربية وتونسية بدأت تتحدث مؤخرا عن توسع دائرة التشيّع في الشمال الأفريقي ولا يمكن نسيان التمويلات التي تقدمها طهران لمنتسبي الشيعة في غرب أفريقيا من خلال جعل موريتانيا منطلقا لتمددها المذهبي في المنطقة.
وهذا ما جعل الباحث محمد بدي ابنو، مدير مركز الدراسات والأبحاث العليا في بروكسيل يتساءل “هل تغذّي السياسة الرسمية الإيرانية الحالية وبشكل قصدي الاحتقان الطائفي المتصاعد في أجزاء واسعة من العالم الإسلامي ولاسيما في المشرق العربي المهيأ اجتماعيا لمثل هذا الاحتقان؟”.
هذا التساؤل مشروع نظرا لما تسعى إيران إلى تحقيقه عبر تدخلها الدائم في شؤون جوارها الإقليمي منطلقة من قول مرشد الثورة الإيرانية بمناصرة طهران لجميع المستضعفين في العالم، ولكنه يرمي من خلال ذلك ويقصد الطائفة الشيعية، وخاصة في الخليج العربي، ذلك أن مناصرتها من وجهة نظر الولي الفقيه، تمكنه من تدعيم مشروع التمدد الطائفي والمذهبي وتأسيس الإمبراطورية الإيرانية الموعودة، التي كما أشار مستشار روحاني علي يونسي إلى أنها ستكون عاصمتها بغداد وممتدة إلى البحر المتوسط وباب المندب في اليمن، لتكوين الهلال الشيعي الذي حذر منه العاهل الأردني الملك عبدالله.
“العرب اللندنية”