إيران وتدخلاتها الإقليمية بقلم: رشاد العراقي
زمان – عربي
لا يخفى على المتابع للأحداث في المنطقة، ومنها العراق على وجه الخصوص، إذا رصد التدخلات الإيرانية بنظرة ثاقبة وتجرد منطقي، ما آل اليه الحال في العراق من ضعف إدارة الحكومة وفساد إداري ومالي ونهب وسلب للمال العام وتهريب العملة الصعبة من العراق بعد أن أصبح ساحة مفتوحة مشرعة الأبواب نتيجة لضعف قواه العسكرية والأمنية… فمن المستفيد من ذلك؟ لا شكّ أن هناك جهة مستفيدة من تلك الحالة قد تكون دول الجوار التي تطمح لأن يكون لها موطئ قدم أو – إن جاز التعبير – نفوذ واضح ومؤثر.
نعم إن جميع دول الجوار لها مصلحة في ضعف العراق، ولكن أيهم الأقرب للعب هذا الدور؟ إنها بلاشك ايران التي تدعي زوراً وبهتاناً دفاعها عن المقدسات الإسلامية ومراقد الأئمة الأطهار ويدعون حبهم لآل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهي أبعد ما تكون عن ذلك. فبيت النبوة عليهم السلام كانوا أصحاب مبادئ وقيم ولم يكونوا من أصحاب الدنيا ومافيها من مباهج. إنهم لم يبحثوا عن المناصب أو المكاسب. إنهم كانوا يريدون إحقاق الحق وإزهاق الباطل وإعلاء كلمة الله والعدل في الحكم… ويحدثنا التاريخ عن ذلك بأن الإمام علي كرم الله وجهه كان كارها للخلافة في البداية واقترح أن يكون وزيرا أو مستشارا. إلا أن بعض الصحابة حاولوا إقناعه. فضلاً عن تأييده في روايات الطبري وابن خلدون أنه رضي الله عنه ارتضى تولي الخلافة خشية حدوث شقاق بين المسلمين وأول من بايعه طلحه والزبير.
والسلطة لم تكن هدفا في حد ذاتها ولم يسعَ إليها في يوم من الأيام، بل كان من أزهد الناس في السلطة. ولما جاء المسلمون لمبايعته بالخلافه قبل أن يتولى المسؤولية الأولى في الخلافة الراشدة لتكون يد المقاومة لرفع مظاهر الحيف ولإرجاع الحقوق لأصحابها.. ودخل عليه صفية وتلميذه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يوما، فوجده يخصف نعله، فعجب أن أمير المؤمنين يخصف نعله بيده وهو يحكم مناطق شاسعة. فقال لابن عباس “ماقيمة هذه (مشيرا إلى نعله).. قال “لا قيمة لها”. فقال الإمام “والله لهي أحب إلي من إمرتكم إلا أن أقيم حقا أو أدفع باطلاً”. فالسلطة عنده تعني (إقامة الحقوق ومقاومة الباطل وأهله).
وتجمع الروايات التاريخية على أن الإمام رضي الله عنه لم يقاتل إلا دفاعا عن العدل ليقيم الحق ويقاوم الظلم بشتى مظاهره وبخاصة الظلم السياسي والاجتماعي. كما أنه من المعروف تاريخيا تمسكه بالحق وصرامته في تطبيقه قد جعلت كثيرا من سادات قريش وزعماء العرب يعادونه ويلتحقون بصفوف معاوية وقد ضاقوا بالقسمة بينهم وبين العامة وهم الرؤساء. وقد كان واعيا بذلك، لكنه لم يتنازل قيد أنملة فقال عنهم “وقد عرفوا العدل ورأوه وسمعوه ووعوه وعلموا أن الناس عندنا في الحق أسوة (سواء) فهربوا إلى الأثرة، فبعدا لهم وسحقا..”.
إنه كان، رضي الله عنه، شديدا في الحق حتى مع أقرب الناس إليه، حتى مع أفراد أسرته. وقصته مع ابنته التي زينت بلؤلؤ من بيت المال مشهورة. فقال “من أين لها هذه؟ والله علي أن أقطع يدها”. وقال خازن بيت المال ابن ابي رافع “فلما رأيت جده في ذلك قلت أنا والله يا أمير المؤمنين زينت بها ابنة أخي ومن أين كانت تقدر عليها لو لم أعطِها فسكت”.
وكتب مرة إلى أحد عماله مؤدبا وقد بلغه أنه أصاب شيئا من بيت المال وزعم أنه حقه وختم رسالته قائلا: “فوالله لو أن الحسن والحسين فعلا مثل الذي فعلت ما كانت لهما عندي هوادة ولما تركتهما حتى آخذ الحق منهما…”.
مما ورد آنفا يتبين لنا أن الإمام علي، كرم الله وجهه، كان عادلا وحازما حتى مع أهل بيته؛ لأنه كان يتبع خطى الرسول محمد عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام.. وكلنا يتذكر حديثه الشريف (والله لوسرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها). ونستنتج أن الإمام كان ملتزما التزاما كبيرا بالسنة النبوية المعطرة؛ لأنه ترعرع في بيت النبوة، و تأثر بها كثيرا… فعلى من يدعي انتماءه لآل بيت النبوة أو حبه لهم أن يكون أكثر الناس تخلقا بأخلاقهم وسيرتهم المشرفة بالأفعال والسلوك لا بالأقوال. وليرجع هؤلاء إلى التاريخ وليتصفحوه حتى يروا كيف كان الإمام رضوان الله عليه نموذجاً وقدوة في الحكم والإداره والقضاء وحسن التعامل مع الرعية وحتى مع خصومه في معركة الجمل..
ولنلقِ نظرة فاحصة على سيرة النظام الإيراني الذي يدعي تمسكه والتزامه باتباع النهج العلوي الشريف.. (الذي هو منه براء)… إن سياسة هذا النظام قائمة على التوسع والامتداد الإقليمي إلى دول المنطقة تحت شعار تصدير الثورة متبرقعاً بغطاء الدين ودفاعه عن المراقد الشريفة للأئمه الأطهار عليهم السلام. وواقع الحال يظهر زيف ادعاءاته وكذبه ولم يكن في يوم من الأيام يتعامل تعاملاً حسنا مع مواطنيه من غير الفرس. فعرب الأحواز يعانون الأمرين من التعصب والاضطهاد الفارسي لهم، فلا يسمح لهم بممارسة حقوقهم في الدراسة بالعربية إو إطلاق التسميات على المدن أو القصبات بالعربية أو حتى أسماءهم الشخصية… إنه يتبع سياسة الانتقام والتنكيل بكل ما هو عربي. ألم يغير تسمية خليج البصرة المثبتة في كثير من الوثائق التاريخية إلى الخليج الفارسي؟ ألم يبدل اسم مدينة المحمرة الى خرم شهر والخفاجية إلى سوسن كرد…. وغيرها كثير.. إنه يتبع خطا الكيان الصهيوني في إبعاد الخطر والأزمات عن أراضيه… فإضافة إلى اضطهاد عرب الأحواز الذين يعانون الأمرين من الاضطهاد والحرمان من أبسط حقوقهم المشروعة، والتي تمتد منطقتهم من ديزفول لغاية مضيق هرمز وتعتبر من أغنى مناطق العالم بالنفط.كما أن البلوش الساكنين في المنطقة الشرقية المحاذية لأفغانستان وباكستان تعاني كذلك بنفس الشدة من الاضطهاد والعنصرية الفارسية. وكذلك شعب المنطقة المحاذية لكردستان العراق من الكرد الإيرانيين يعاني أيضا من ويلات التسلط الفارسي. وكذا الشعب الآذري في منطقة أذربيجان المحاذية لجورجيا وأذربيجان… فالقومية الوحيدة المتنعمة والمتسلطة هي القومية الفارسية التي يشكل تعدادها أقل من 20 بالمائه من تعداد إيران.



