واجتاحني حب كارون ( الحلقة الحادية عشرة ) فؤاد سلسبيل – أبورسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
قلنا بأن تلكالمناضلة ، لم تكن تعرف القراءة ولا الكتابة وهي أمية لم تدخل المدرسة أبدا ، لكنها كانت تحمل الشهادة الوطنية التي حصلت عليها من جامعة حب الوطن ،
لذلك أعجبت بها كثيرا وقبّلتها على رأسها عندما قالت لي وهي تودعني:
يمّة العزم بالله وبيكم وانشوف راية الأحواز مرفوعة وترفرف على اسطوحنه، ويوم المانشوف بي فارسي بوطنه بعد التحرير إن شاء الله.
في عام 2007 عندما أخبروني بأنها إنتقلت إلى جوار ربها قبل فترة وجيزة تألمت وحزنت عليها كثيرا وعادت ذاكرتي إلى الوراء وتذكرت تلك الأيام الحلوة بمرارتها، وأولئك المناضلين من الرجال والنساء من أبناء شعبنا العربي الأحوازي الذين أدّوا ما عليهم، فرحمة الله عليها رحلت من بيننا جسدا وبقيت معنا ذكرى وطنية لا تمحوها الأيام من الذاكرة لأنها تركت وراءها تاريخا مشرِّفا يخلدها ونفخر به جميعا، ورحمة الله على أرواح جميع شهداء الأمتين الإسلامية والعربية خاصة شهداء الأحواز الخالدون المخلدون.
وأمّا النموذج الثاني من المناضلات الأحوازيات فهي المناضلة (حسنة)، وهي فتاة كانت تسكن مع أهلها في مدينة الأحواز، وفي عام 1982 وطبقا ما أخبرني به الحجي بأنها إنتقلت إلى مدينة
أحوازية أخرى مع عائلتها من ضمنهم أثنين من أشقائها الذين كانوا يعملون ضمن المجاميع التي يقودها الشهيد الحجي رحمه الله، وأنا لم أرى أشقائها ولم التقي بهم ولا أعرفهم إلى هذا اليوم.
طبعا الإسم الذي تعرفت عليها به كان إسمها الحركي، وعندما رأيت ثقتها الكبيرة بنفسها واندفاعها وجرأتها من خلال حديثها جعلتني أن أطلب من الشهيد ( الحجي )، أن تحضر هذه الفتاة إلى التجمع العربي الذي كانت تريد أن تقيمه المنظمة السياسية للشعب العربي الأحوازي في مقرها الكائن في مدينة المحمرة آنذاك، والذي القيت فيه كلمات وأشعار حماسية تحث الجماهير على مواصلة مطالباتهم بحقوقهم المشروعة من الحكومة الجديدة التي كانت تكشف عن كذب شعارات مسؤوليها التي كانوا يرفعونها قبل الإطاحة بنظام الشاه المقبور شيئا فشيئا، فتقبلت هذه الفتاة الفكرة فورا وقالت أنا على استعداد تام بأن أحضر إلى مقر المنظمة لأني أريد أن أسبق زميلاتي في هذا المضمار.
قال لها الشهيد ( الحجي ): كيف تحضرين هذا الحفل ولا توجد أي أمراة فيه؟
قالت له : سأتنكر بملابس الرجال وأطمئنك وبكل ثقة لن يكشف أمري أحد، ولن يعرف عن قيامي بهذا العمل أي شخص سوى الحاضرين هنا الآن.
كنت أنا والحجي والشهيد عبد الأمير أبوخالد رحمه الله وصاحب الدار في تلك اللحظة جالسين معا وهي تتحدث عن هذا الأمر في منطقة الحيزان في المحمرة في بيت أحد المناضلين والموجود حاليا في داخل الوطن السليب حيٌ يُرزق، حتى قال لها الحجي مازحا ومبتسما:
سوف يكون هذا بمثابة إختبار لك يا حسنة… وأضاف مازحا معها إذا ما أحسنتيه ونفذتيه سنجعل منك عروسة الأحواز الأولى ونزوِّجك إلى أحد المناضلين..
كان عمرها آنذاك يتراوح بين العشرين وخمس وعشرين سنة وكانت تحمل شهادة إعدادية فرع الرياضيات..
فعلا حان وقت التجمع وكان الوقت عصرا، وجاءت هذه البطلة متنكرة بزي رجال، وكان هذا الزي عبارة عن دشداشة رصاصية ويشماغ أحمر اللون وحذاء رجالي ( ترانشوز )، وعلى وجهها نضارة شمسية، وغيّرت ساعة يدها بساعة إستعارتها من الشهيد ( عبد الأمير ) الذي كان يرافقها عند دخولها إلى مقر المنظمة السياسية دون أن يجعلوا أحدا ينتبه إليهما بأنهما رجل معه إمرأة يدخلون إلى المقر.
وعند دخولها المبنى وقبل بدء الفعاليات تجوَّلت في أروقة مبنى المنظمة وفي الحديقة الخلفية التي كانت ملتصقة بمبنى المركز الثقافي العربي من جهة ومركز الشرطة العام في المحمرة من جهة أخرى، تلك الحديقة الكبيرة التي كانت تحوي أشجارا قديمة وعالية وكثيفة الأغصان والأوراق إلى جانب حوض ماء كبير.
وعندما بدأت أعمال التجمع جَلَسَت بجانب شهيدنا البطل ( أبوخالد ) حتى نهايته وخرجت ولم يعرف بأمرها اي احد من الحاضرين إلا أنا – أعوذ بالله من كلمة أنا – حيث كنت أنظر إليها كلما وقفت خلف المنصّى، لأنني كنت في حينها عرّيفا لذلك الحفل.
تركتها وهي تحمل معها حبها لوطنها وتحث الآخرين على العمل والنضال من أجل تحريره من المحتلين.. وتأكدت قبل سنوات بأنها مازالت تلك المرأة التي عرفتها بحبها لوطنها وشعبها وكما عهدتها.
سألت الشهيد الحجي عنها وعن ما كانت تقوم به هذه الفتاة المتعلمة؟ قال لي: هي تقوم بكتابة الشعارات على الجدران، بث العزيمة في نفوس الأحوازيات من خلال مشاركاتها في الأعراس أو الأحزان وهي تلقي عليهن بعض الاشعار التي يتم تزويدها بها من قبلنا، إضافة إلى كسب أخريات من الأحوازيات لتشكيل خلايا نسائية..
هنا لابد لي من أن أذكر بأن مجتمعنا آنذاك ورغم هذه الثورية ومشاركة النساء في هكذا مهمات لكن كما ذكرت أعلاه كان قبول حضور المرأة من قبل الرجل في مثل هذه الجلسات أو الإحتفالات قليل جدا، لأنه كان يتصور بأن إبنته أو أخته أو زوجته إذا ما جلست بجانب الرجل على كرسي لتشارك أخوتها من أجل وطنها سوف يلبس ثوب العار!!
طبعا كانت هناك فسحة ومجال للمشاركة في المظاهرات والمسيرات ولا يمكن أن ننكر ذلك، لكن ليس في الجلسات أو التجمعات في المقرات السياسية، وكأنما ممارسة المرأة الأحوازية للسياسة خط أحمر أو إنه حرام.
لكن في المقابل كان حضور المرأة في الأعمال الثقافية ملفت للنظر، إذ إننا كنا نراها في المركز الثقافي العربي باستمرار وحضورها كان مميزا، ولا يمكن نكران دورها وفعالياتها في هذا المجال ولا أستبعد بأنها كانت من ضمن الكادر القيادي في المركز، وكانت لها صولات وجولات أكثر من ذي قبل عندما اشتد اوار المظاهرات بعد تنكر الحكومة لحقوقنا وكياننا العربي على لسان عباس أمير انتظام المتحدث الرسمي لحكومة مهدي بازركان والذي هدد في حينها بأنهم سيقومون بكسر أسنان كل من يدعي بأنه عربي ومن ثم يلقون به في مياه الخليج العربي الذي أسماه بالتسمية الفارسية المصطنعة.
حتى لقاءٍ متجدد السلام عليكم ورحمة الله بركاته.
ملاحظة:
من أجل تزويدنا بمعلومات، أو تصحيح معلومة، أو تزويدنا بأسماء الشهداء أو بقية المناضلين الذين لربما ننساها ولا نذكرها مع الأسماء التي نذكرها في الحلقات، أو من أجل أي استفسار تودون أن تستفسروه منا، يرجى التواصل معنا عبر الأيميل التالي:



