الحرية الفكرية في إيران الخميني بقلم: محمد علي المحمود
الرياض
لا يمكن فصل التزمت الأخلاقي في مجتمع ما، عن الحرية الفكرية، كما لا يمكن فصل الحرية الفكرية عن مناخات التزمت الأخلاقي، فهما نتاج ذهنية واحدة، وبينهما علاقة جدلية، تختلف طبيعتها ومستوياتها؛ وفقا للظروف والمعطيات الفكرية والواقعية. فمثلا، مسألة فرض الحجاب في إيران ما كانت لتأخذ هذا المنحى القمعي؛ لو كانت حرية نقد هذا الفرض السلطوي متاحة على مستوى النقاش الفكري. أي لو كان المشاركون في النقاش لا يتعرّضون للتصنيف والإقصاء، ومن ثم للنبذ المؤسساتي.
وفي هذا السياق يجب التنبيه إلى أن مجرد وجود النقد/ الاعتراض، لا يعني أن النقد/ الاعتراض أصبح محلَّ تسامح مؤسساتي من قبل حكومة رجال الدين، إذ العبرة ليست بظهور الأصوات الناقدة، وإنما العبرة بالثمن الكبير الذي يُضطرّ الناقد/ المعترض لدفعه جراء اعتراضه على قانون متزمت له طبيعة الإلزام المجتمعي العام.
من هنا، نستطيع القول إن رجال الدين الذين شاركوا في إذكاء الثورة لم يكونوا على قلب رجل واحد إزاء الحريات السلوكية وإزاء الحريات الفكرية. في البدايات كانت الجدلية أوسع، ولم يكن التأطير المؤسساتي قد ترسّخ بعد. فمثلا، آية الله سيد محمود طالقاني، وهو من أهم المشاركين في الثورة، إن لم يكن أهمهم بعد الخميني (إذ كان نقطة الوصل بين الخميني في باريس والقوى الشعبية من إسلامية وليبرالية ويسارية، وله تارخ نضالي طويل في نشر الفكر الإسلامي داخل الجامعة)، هذا المتمرد دينيا/ سياسيا، كاد أن يتمرد بعد الثورة على المسيرة التزمتية التي اختطها الخميني، وغالى في تطبيقها رجال الدين من الصف الثاني (= حُجج الإسلام) كمزايدة إسلاموية على إسلام المسلمين الإيرانيين.
إن طبيعة الإجبار القسري على الأحكام الشرعية الموجهة للأفراد أقلقت طالقاني، وقادته إلى الاعتراض الصريح على هذه الانتهاكات للحريات الشخصية.
يقول وليد عبدالناصر: “من الثابت أن طلقاني قد رفض تجاوزات اللجان الثورية ضد حقوق الإنسان كما دافع عن حق النساء في اختيار عدم ارتداء الحجاب” (إيران، دراسة عن الثورة والدولة، وليد عبدالناصر ص 37). والأهم أن طالقاني يفعل ذلك؛ رغم أنه يحمل ولاء سياسيا ثابتا لموقع رجال الدين في الحكومة، إذ “يرى طلقاني أن الحكومة الشرعية هي الحكومة الإسلامية التي يرأسها الإمام أو الولي”. (المصدر السابق، ص33). أي أنه لا ينادي بالحريات من خلال اعتراض مبدئي على إسلامية الحكم، ولا على موقع رجل الدين فيه، وإنما ينتقد الهيمنة التسلطية ذات الطابع الشمولي الدكتاتوري؛ لأنه يدرك أنها ستقود إلى كوارث إنسانية ووطنية في نهاية المطاف.
إذن، نستطيع القول إن الرؤى المتعلقة بالحريات الفكرية والسلوكية في السنة الأولى من الثورة، وربما في السنوات التي تلتها، كانت أكثر تعددية؛ على الرغم من طغيان الرؤية الدينية السلفية التي يُضفي عليها الخميني قوة معنوية، فضلا عن القوة المادية التي يمنحها لها بوصفه المرجع النهائي – عُرفاً – لكل اختلاف، حتى قبل أن يستقر في موقعه كمرجع نهائي دستوريا.
وإذا كان آية الله طالقاني يُمثّل الاعتراض على الكبت الديني من داخل صفوف رجال الدين، حتى إن كثيرين يربطون (موته!) بهذا الاعتراض، فإن الأصوات المعترضة من خارج السلك الكهنوتي يصعب حصرها لكثرتها. ولعل أهم من اعترض على الدكتاتورية الدينية هو رئيس الوزراء مهدي بزركان الذي تساءل قائلا: ما الفرق بين طاغية يؤمن بالله وطاغية لا يؤمن بالله؟
وقال عن ظاهرة الإجبار على الواجبات الدينية: مفسدة الإكراه أكبر من مفسدة الخطأ. (التغرُّب في الثقافة الإيرانية الحديثة، غسان طعان99).
ولهذا، دافع بزركان عن السفور؛ لأن فرض الحجاب – كما يرى – نوع من الطغيان هو أسوأ مئة مرة من بقاء النساء الإيرانيات سافرات. وقد لاحظ – في لمحة ذكية – أن الدولة بصدد أن تطلب من المواطنين أكثر مما طلبه الله والرسول صلى الله عليه وسلم (التغرُّب في الثقافة الإيرانية الحديثة، غسان طعان105).
يقصد أنها توجب عليهم الالتزام بالمستحبات والسنن التي لم يوجبها صريح الشرع، أو تفرض عليهم ما فرضيته محل خلاف.
إن بداية الثورة لم تكن تنبئ بنهايتها. لم يتوقع أحد أن يهيمن التيار الديني المتزمت على كل شيء، وخاصة في الأشهر الأولى للثورة. المؤشرات الأولى كانت واعدة نسبيا. لكن مع مرور السنوات، وبفعل عوامل كثيرة (ليست أجواء الحرب العراقية الإيرانية، وما رافقها من حالة طوارئية، وما استلزمته من تجييش ديني، بمعزل عنها)، كانت الأمور تنحدر في مسألة الحريات لصالح المتزمتين من رجال الدين، الذين قرروا أن يُحكموا سيطرتهم على كل شيء، وأن ينقلوا أوهامهم وتوجساتهم وآمانيهم المجنحة المشتعلة هوسا دينيا في رؤوسهم إلى واقع الناس.
التأكيد على هذا التحوّل لا يعني أن مؤشرات الاستبداد الديني كانت غائبة تماما في بدايات الثورة. بل على العكس، لقد ظهرت بوادر الاستبداد الديني منذ البداية، إذ عاد الخميني، لا ليحكم بواسطة رجال الدين، وإنما ليحكم رجالُ الدين المجتمعَ من خلاله. كان ينطوي على يقين أنه ورجاله يتصرفون بإرادة الله، وأراد تعميم هذا اليقين؛ مهما كان صادما وغير معقول، بل وغير مقبول في سياق الدولة الحديثة. يقول مصطفى اللباد عن تشكيل الخميني للحكومة الموقتة بعد عودته: “ولم يفت الإمام الخميني التأكيد على أن معارضة الحكومة الموقتة هي مثل المعارضة لحكم الإله” (حدائق الأحزان، مصطفى اللبّاد، 146). وهذا التأكيد الدوغمائي الذي يطابق بين أحكامه وبين أحكام الله هو منطق السلفيات جميعا؛ حتى وإن اختلفت العبارة، وتنوعت طرائق الاستدلال، فالواقع الذي يصنعونه ويمنحونه الشرعية؛ يصبح (شرعيا)، أي يصبح مقدسا، وبالتالي، من يعترض عليه، فإنما يعترض على شرع الله!.
يقرر الخميني بوضوح أن ما يراه – والمجموعة التي تتبنى رؤاه – هو الشرع، أي أنه التجسيد الواقعي لإرادة الله، وعلى الجميع أن يلتزم به، وليس مسموحا بالخيارات الأخرى حتى ولو صدرت عن رجال دين آخرين، بل حتى لو صدرت عن مراجع التقليد.
وهنا يتضح أن القمع الفكري لم يكن مقصورا على الليبراليين أو اليساريين، بل طال حتى رجال الدين الشيعة ممن اختلفوا مع الخميني في كثير أو قليل. يكشف أوليفيه روا عن كُنه حركة الخميني ومن ناصره من رجال الدين، وتحديدا: كيف انتهت إلى تهميش كبار رجال الدين. يقول معدداً أوجه هذا التغيير: أزال الخميني الاستقلال للعلماء.. أنكر مرجعية شريعتمداري.. اعتمد الولاء السياسي في ترقية العلماء.. و”انكفأ رجال الدين نحو الدولة دون أن يتمكنوا من السيطرة عليها فعلا، لأن الهرمية السياسية ليست هي الهرمية الدينية” (تجربة الإسلام السياسي، أوليفيه، ص171). هذه حقائق، أو هي بعض حقائق، وكلنا يعرف أن آية الله منتظري محكوم عليه بالإقامة الجبرية من 1997 م حتى وفاته في 2009م؛ لمجرد أنه هاجم – بمحض الفكر – نظام وطريقة حكم الملالي.
هكذ يتضح أن مجموعة من رجال الدين باتت تتحكم في كل شيء، لا في الحراك الاجتماعي المدني فحسب، وإنما حتى في الحراك الديني أيضا؛ ليصبح الحراك الديني الشيعي الذي بقي لقرون طويلة مستقلا، خاضعا اليوم لمسار ديني أحادي يهيمن عليه الولي الفقيه، ومن سار في ركابه من رجال الدين المتسلطين.
في إيران الخميني، لا مجال لإبداء الرأي الذي لا يتفق مع تصورات المحافظين. الرأي المستقل قد يؤدي بصاحبه إلى الاعتقال أو إلى الاغتيال؛ حتى ولو كان من رموز السلطة.
لنتذكر وزيرَ الداخلية في عهد خاتمي: عبدالله نوري (وهو الذي وصفته بعض المجلات البريطانية بأنه “سقراط الإيراني” لأنه تحدى مفاهيم المؤسسة الدينية، حيث حُوكم أمام محكمة خاصة من رجال الدين) تحدّى ولاية الفقيه صراحة، مؤكدا أنه لا يوجد أحد فوق القانون ولو كان المرشد الأعلى، فأوصله هذا الانتقاد إلى معتقل (إيفين) الرهيب حيث أمضى خمس سنوات دون أن يتراجع عن موقفه (التغرُّب في الثقافة الإيرانية الحديثة، غسان طعان، 28). وطبعا، التهمة جعلته في نظر الفقهاء مستحقا للعقاب، تتحدد في معاداة خط الثورة/نهج الإمام الخميني الذي يستمد منه المتطرفون مشروعيتهم؛ لأن “كافة الشخصيات القيادية في الحكم في إيران سواء أثناء حياته أو بعد مماته قدموا آراءهم بوصفها تفسيرات وشروحاً لفكر الخميمي” (إيران، دراسة عن الثورة والدولة، وليد عبدالناصر، ص56).
ولا غرابة في هذا، فالخط الخمينوي ينتظم مصالح رجال الدين في السلطة، ولهذا يحرص رجال الدين على بقاء هذا الخط الخمينوي محاطا بهالة تقديس، كيما يمنحهم مشروعية البقاء كرجال دين مُتسلّطين ومقدسين في آن.
لقد ضجّ الأحرار في إيران على اختلاف مرجعياتهم ومدارسهم من هذا الصوت الأحادي في السلطة. وفي الوقت نفسه، لم يتورع بعض رجالات السلطة عن التعبير عن هذا التوجه الأحادي التسلطي بشكل صريح. فهذا علي أكبر ولايتي، أحد رجالات السلطة، والذي كان من المعادين لنوري، يصرّح بهذه الروح الدكتاتورية التسلطية، وذلك عندما يؤكد أن الذين لا يؤمنون بنهج الخميني وولاية الفقيه هم مخربون لا إصلاحيون (مصاحف وسيوف، رياض الريس، ص188).
إذن، مهما ادعت حكومة رجال الدين في إيران من أنها تصون الحريات، وأنها تنتصر للضعفاء، وأنها تحارب الفساد، فهي ليست كذلك باعتراف كل المراقبين المحايدين، فلا يوجد باحث محايد ينكر أن “الحكومة في إيران في ظل الملالي تنقصها الحريات الأساسية والشفافية وسيادة القانون كالحكم في أغلب الدول الإسلامية” (سقوط الدولة الإسلامية ونهوضها، نوح فيلدمان، ص170)، مع أنها تدعي – بكل يقين وجزم وتأكيد – أنها تطبق النموذج المثالي للحكم الإسلامي!.
إن كبت الحريات في إيران، هذا الكبت الذي نراه اليوم عبر الوسائط الإعلامية ليس جديدا، وهو ليس انحرافا عن خط الخميني، كما يحاول بعضهم أن يبرر، بل هو امتداد له.
فمن “الجدير بالذكر أن آية الله الخميني كان أول من أطلق حملة معادية للمفكرين والأدباء والصحافيين بعد أيام قليلة من استيلائه على السلطة في العام 1979؛ فقد أمر بإحراق عدد كبير من الكتب الحديثة، وأصدر حظرا على مئات الكتاب والشعراء، واعتقل العديد منهم وأعدم بعضهم لاحقا”.
واستمرت هذه الروح منذ أيام الخميني وإلى اليوم، فإذا “كانت طهران قد أعلنت مطلع العام (1999) أنها اعتقلت عددا من ضباط الاستخبارات الإيرانيين المسؤولين عن قتل عدد من الكتاب والمثقفين” (مصاحف وسيوف، ص112)؛ فهذا يعني أن القتل الذي طال المعارضين مُنْهِج من داخل أروقة السلطة، أو على الأقل، بتغاض أو تواطؤ كثير من النافذين فيها. ولهذا دلالاته المتعددة التي لا تخفى على أولي الألباب.



