إيران وداعش.. و”العشق الممنوع” بقلم: حسن راضي
لا يخفى على أحد.. الدور الذي لعبه – ومازال – الثنائي الإيراني الداعشي في تدمير المنطقة العربية، خدمة لمصالحهما رغم التناقض والعداء المعلن بينهما!
يختلفان في العقيدة ويكفرا بعضمهما البعض, وللجهتين ذات المشروع الإستراتيجي في السيطرة على المنطقة العربيةـ الإسلامية، عبر الحروب والقتل والدمار.
تجلت مصالح الطرفين في إفشال ثورتي سوريا والعراق، بعد ما كانت الثورة العسكرية العراقية على أبواب بغداد. دخلت (داعش) على خط الحراك العسكري فجأة، وخطفت كل ما يحدث في العراق باسمها وحدها لا غير، لتعطي المبرر لدخول إيران والولايات المتحدة الإميركية بشكل أوسع للدفاع عن الحكومة العراقية وإنقاذها من السقوط الحتمي.
وتكرر نفس السيناريو في سوريا، وحشدت الولايات المتحدة الإميركية حلفا عسكريا واسعا لمحاربة إرهاب الدولة الإسلامية ( داعش ) للدفاع عن “عين العرب” وتم نسيان وتجاهل إرهاب النظام السوري وعشرات المليشيات التابعة لطهران التي قتلت ودمرت مئات الأضعاف ما فعلته داعش في سوريا والعراق واليمن على حد سواء.
تمر المنطقة العربية بمتغيرات هائلة وسريعة وأحداث مؤلمة نتيجة للفوضى والتدهور الأمني غير المسبوق، لم تشهدها منذ تقسيمها إلى 22 دولة بفعل إتفاقية سايكس بيكو الشهيرة بعد إنتهاء الحرب العالمية الأولى، وسيطرة الاستعمار الأجنبي على مقدراتها وقراراتها السيادية بشكل مباشر.
بعد الإنتصار السريع لثورة تونس ومصر واليمن وتدخل حلف الشمال الأطلسي لصالح الثورة الليبية وإسقاط نظام معمر القذافي، تفائلت الشعوب بتلك الثورات ورسمت مستقبلا زاهرا للمنطقة تسوده الديمقراطية والعدالة الإجتماعية، لطالما عانت تلك شعوب من الإستبداد والظلم والتهميش من قبل أنظمة ديكتاتورية فاسدة كانت قد أغتزلت الوطن والمواطن وثرواته وحقوقه، بكرسي الرئيس ورفاهية عائلته وحاشيته. سرعة إنتصار تلك الثورات على أنظمة حكمت عشرات السنين، ألهمت الشعوب في العديد من مناطق العالم العزيمة والتفائل لتغير الواقع المرير التي تعيشه وقامت بإحتجاجات وبمظاهرات واسعة كماحصل في تركيا، وأوكرانيا، وروسيا، وباكستان، والعراق، وفنزويلا، وباكستان وغيرها.
حفاظا على مشروعها التوسعي، دخلت إيران عسكريا ومعها حزب الله اللبناني ومليشيات شيعية عراقية في سوريا لمحاربة الشعب السوري وإرتكبت مجازر عديدة تحت غطاء الحرب الطائفية التي أذكتها في المنطقة. ووسعت تدخلها في العراق بقوة المليشيات وفيلق القدس أبان الثورة العسكرية العراقية في منتصف العام الماضي والتي أقتربت من دخول بغداد بعد ما سيطرت بسرعة هائلة على المحافظات الغربية.
تأسست (داعش) كغيرها من المنظمات المتطرفة الأخرى في سوريا والعراق نتيجة عاملان أساسيان:
– الأول، القمع والقتل والإضطهاد الذي تقوم به الأنظمة في تلك البلدان من جهة، وعدم إستقرار الامن والفوضى الخلاقة من جهة أخرى.
– الثاني، التدخل الخارجي السلبي في خلق ودعم المنظمات المتطرفة من أجل الوصول لأهدافها الإستراتيجية وغاياتها السياسية.
تدخل إيران لصالح نظامي السوري والعراقي والمشاركة بقتل مئات الألاف وتدمير المجتمعات بإقحامها في حروب طائفية، أوجدت البيئة الخصبة والمبررات الكفيلة لقيام المنظمات الإرهابية التي تقتل على إساس الإنتماء الطائفي. وإذا كانت داعش تُحسَب على المذهب أهل السنة والجماعة حسب المفهوم والتعريف الإيراني، ينبغي أن تحاربها عشرات المليشيات المحسوبة على المذهب الشيعي أو تلك التي ترفع راية وشعار الشيعة والدفاع عنها وعن مقدساتها. وفي المقابل وحسب ذلك المفهوم ينبغي على تنظيم داعش أن تتوجه نحو إيران أو محاربة حلفاء طهران ومليشياتها في سوريا والعراق. لكن كل الأحداث المؤلمة والمجازر التي ترتكبها داعش من جهة والمليشيات التابعة لطهران من جهة أخرى، هي حصة المجتمعات العربية فقط، بغرض تفكيكها وتقسيمها وتدمير مؤسسات ومقدرات الدول العربية، حتى تسهل عملية السيطرة عليها وإحتلالها في إطار مشاريعهما التوسعية.
رغم الدعاية الواسعة والحرب والعداء المعلن في وسائل الإعلام الإيرانية تجاه (داعش)، فإن طهران لم تشن حربا على (داعش) في العراق وسوريا، بل تستهدف التيارات والشخصيات الوطنية المعارضة لمشروعها في تلك البلدين. وربط العديد من الخبراء والمحللين الإستراتجيين داعش بالسياسية و المشروع الإيراني نظرا للمواقع والأماكن المستهدفة داعشيا والمصالح التي تحققها لصالح طهران. ففي سوريا تحارب (داعش) الجيش الحر وتستهدف القوى الثورية، وتتجنب منذ أكثر من عامين الأصطدام مع النظام السوري والمليشيات الشيعية مثل (حزب الله) اللبناني و(عصائب أهل الحق) وقوات (الحرس الثوري الإيراني) وغيرها، التي تتواجد بكثافة على الأراضي السورية، مما يثبت بأن هناك علاقة وثيقة بين داعش من جهة والنظاميين السوري والإيراني جهة أخرى.
ما يوثق هذه العلاقة الداعشية الطهرانية الرسالة التي وجهها المتحدث باسم الدولة الإسلامية في العراق والشام أبو محمد العدناني، لأيمن الظواهري بالنص الواضح: “ظلت الدولة الإسلامية تلتزم نصائح وتوجيهات شيوخ الجهاد ورموزه، ولذلك لم تضرب الدولة الإسلامية الروافض في إيران منذ نشأتها, وتركت الروافض آمنين في إيران، وكبحت جماح جنودها المستشيطين غضبا، رغم قدرتها آنذاك على تحويل إيران لبرك من الدماء, وكظمت غيظها كل هذه السنين؛ تتحمل التهم بالعمالة لألد أعدائها إيران؛ لعدم إستهدافها، تاركة الروافض ينعمون فيها بالأمن والأمان؛ إمتثالا لأمر القاعدة؛ للحغاظ على مصالحها، وخطوط إمدادها في إيران.”
أزالت أحداث العراق وسوريا المستمرة منذ سنوات، الوجه الحقيقي والتواطؤ الإستراتيجي الداعشي الإيراني في المنطقة العربية والذي تمثل في تدمير المجتمعات العربية وتمزيقها على أساس طائفي ومناطقي ومحاربة القوى والتيارات الوطنية المخلصة بغرض إبعادها من السلطة أو مركز صنع القرار السياسي في الدول العربية. وتثبت تلك الأحداث والعلاقة بين طهران وداعش بان الجهتين متورطتين بعشق لكن هذا العشق ممنوع ان تعلن عنه كل جهة نظرا للخلاف العقائدي والتناقض في الأهداف المعلنة لكل جهة.
في الوقت الذي تعلن طهران شعار الدفاع عن المستضعفين والشيعة في المنطقة وتستخدم قضية فلسطين شماعة لتمرير نفوذها وسيطرتها على المنطقة، تعلن داعش ان هدفها قيام الخلافة الإسلامية وإيران ستكون ولاية من تلك الخلافة المزعومة.
* كاتب عربي أحوازي مقيم في لندن
نقلا عن ((اورينت نت))



