واجتاحني حب كارون ( الحلقة التاسعة والأربعون ) فؤاد سلسبيل – أبورسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
في الحلقة الماضية كنا قد تحدثنا عن الإجتماع الذي عقد في مضيف الشيخ محمود الفاضلي شيخ عشيرة المطور والذي كان يسعى في ضيافته هذه الى حقن دماء العرب وعدم شن هجوم عليهم من قبل زبانية مدني لأنه عربي ولم يكن يريد السوء بأهله وهو إبن عشيرة عربية أصيلة معروفة بمواقفها العربية لكن المسؤولين في مدينة المحمرة واتباعهم كانوا يهدفون من وراء هذا الاجتماع أشياء أخرى، أولها إيقاع الفتنة بين الأحوازيين عشائريا ليستفيدوا هم من ورائها وذلك اما بقتل الشيوخ العرب في مضيف هذا الشيخ العربي أو أسرهم وهم في هذا المضيف ليتم إعدامهم فيما بعد وتقوم عشائرهم بمطالبة هذه العشيرة بدماء شيوخها لكن الله كان لمدني وجلاوزته بالمرصاد حين أبطل خططهم الخبيثة وكفى الأحوازيين شر الفتنة الفارسية هذه ” ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين”.
حضر هذا الإجتماع داخل المضيف الشيخ عبد الرحمن الكعبي والشيخ عبد العظيم المطوري والشيخ الحاج مكي الفيصلي إضافة الى الشيخ محمود الفاضلي والمعمم العربي الوحيد الذي حضر الاجتماع هو السيد علي السيد محمد علي السيد عدنان وهناك أشخاص لا يرغبون بذكر أسمائهم، ومن الجانب الحكومي حضر الإجتماع مدعي عام محكمة الثورة في مدينة المحمرة المدعو ( زركر ) وعدد من معاونيه وبعض المسؤولين في الدولة اضافة الى ما ذكرناهم في الحلقة الماضية والذين كانوا خارج المضيف.
كنا قد ذكرنا بأن نية الشيخ محمود من الإجتماع هو حقن الدماء ولكن البقية الباقية كانت نيتهم نية سوداء أرادوا ان يستفيدوا من هذا الإجتماع لصالح خطتهم وهي وضع الشيوخ والسياسيين العرب المتواجدين هناك في زاوية لا يمكنهم الإفلات من قبضة مدني وزبانيته.
الذي طلبه زركر من الحاضرين خاصة من الذين لهم ارتباط بالمنظمة السياسية للشعب العربي الأحوازي وأقصد بهم الشيوخ الداعمين للمنظمة من خلال المال والرجال والسلاح الخفيف وهو سلاح الصيد الذي اشرنا له في عدة مواضع هو الإسراع بخروج العرب من مقراتهم دون قيد أو شرط، وكان أيضا يريد بأي شكل من الأشكال إطالة الوقت أي وقت هذا الإجتماع لمآرب كان قد خطط لها من قبل هو ومدني وعلوي قائممقام المحمرة ومحمد خوشنام قائد القوات البحرية في المحمرة آنذاك والذي كان ينتظر ساعة الصفر في مقر قيادة البحرية في مدينة المحمرة كي يرسل الزوارق السريعة المزودة برشاشات متوسطة وثقيلة.
كان أحد الذين دخلوا مع المرحوم العم الحاج مكي الفيصلي في غرفة الإجتماع من أبناء عمومتنا المناضل ( راضي درويش محمد الفيصلي – أبو محمد ) وكان حاضرا منذ البداية حتى النهاية.
في الوقت الذي دخل الجميع الى الإجتماع تم تطويق المنطقة أي ( منطقة البوزة ) والتي يقع فيها مضيف الشيخ محمود الفاضلي ويسكنها جل عشيرة المطور والكعبية وبيوت تنتمي إلى بقية العشائر بقوات تتشكل من عناصر الكماندوز والحرس الثوري ومن المتطوعين وكلهم كانوا يرتدون ملابس مدنية اختبؤوا في البساتين تحت ستار الظلام وكذلك في بساتين النخيل في منطقة ( الميرزاوية ) وهي من توابع منطقة كوت الشيخ من جهة ومن جهة ثانية كانت الخطة تكتمل بوصول الزوارق السريعة التابعة للقوة البحرية في المحمرة والتي كان عليها الوصول في ساعة الصفر التي حُددت للإنقضاض على الهدف واعني بهم الشيوخ الداعمين للمنظمة السياسية كي يتم اما قتلهم في المكان او أسرهم وكلتا الحالتين لو نجحت لوقعت فتنة كبيرة بين العشائر العربية ولكان ضحاياها كلهم من العرب.
كيف تم تفادي هذه الفتنة؟
كنت من ضمن الذين كانوا واقفين خارج المضيف في الشارع الذي يطل على نهر كارون وكان معي كثير من عمومتي الكبار في السن ومنهم والدي وأيضا عدد كبير جدا من شباب الفيصلية وهم ابناء عمومتي نراقب وننتظر نهاية الإجتماع الذي وصل الوقت بالمجتمعين إلى ما يقارب الساعة الثانية والنصف أو اكثر بقليل بعد منتصف الليل أي فجر الأربعاء السوداء قبل الهجوم وبدء المجزرة اتي ارتكبها بعد سالعتين من هذا الاجتماع احمد مدني باوامر من القيادات العليا في قم وطهران ضد العرب، وكان هناك عدد من القادة العسكريين من الخط الثاني ومنهم كما ذكرنا في الحلقة الماضية العقيد ابراهيم حجازي وبعض من قادة حرس الثورة وعدد من المدنيين من غير العرب الذين شاركوا فيما بعد في قتل العرب عند الهجوم على مقراتهم لمدة ثلاثة ايام أي يوم الأربعاء والخميس والجمعة.
عندما رأى أحد أعمامي الذين يكبرون والدي بالسن وهو المرحوم ( الحاج أسود الفيصلي ) الوقت تأخر كثيرا اجتمع بنا بعيدا عن الواقفين خارج المضيف وقال لوالدي ولبقية أبناء عمومتي اني اشم رائحة مؤامرة وأحس بأن هناك مخطط خبيث فيه قتل المجتمعين في الداخل فعليكم أن تتوزعوا إلى عدة مجاميع لمراقبة أطراف المضيف والشط أي نهر كارون ولتكن عيونكم مفتحة لكل طارئ واذا ما رأيتم أي شئ إخبروني به فورا.
فعلا توزعنا على كل الأطراف وأنا كنت من الذين كان عليهم مراقبة النهر خلف الجسر الوحيد للمدينة آنذاك اي باتجاه كوت الشيخ حيث القاعدة البحرية، وفيما كنا نراقب الوضع واذا بمجموعة من المراقبين التابعين لنا جاؤوا مسرعين الى العم المرحوم الحاج أسود الفيصلي وقالوا له ان البساتين التي تقع خلف المضيف وأطرافه امتلأت بالرجال المدججين بالسلاح، وجاءت الفرقة الثانية من المراقبين مهرولة نحو الحاج أسود لتخبره بوجود عناصر مسلحة وبأعداد كبيرة في البساتين من جهة منطقة الميرزاوية، وبينما كنا نحن نراقب نهر كارون رأينا من بعيد عدد من الزوارق البحرية المسلحة متجهة نحو المضيف فأسرعنا إلى الحاج أسود وأخبرناه بذلك، فما كان منه هو ووالدي وعدد من كبار القوم إلا الدخول إلى داخل المضيف دون إذنٌ من الحراس الواقفين في الباب سواءً من أهل المضيف أو من حراس الثورة الذين جاؤوا مع زركر ومن كان معه من الحكوميين في داخل المضيف، ونادوا على المرحوم الحاج مكي أن أخرج فورا لأن هناك مؤامرة تستهدف قتلكم جميعا، وها هي البساتين امتلأت بالرجال المدججين بالسلاح من كل صوب، وها هي الزوراق متجهة نحوكم.
أسرع الشيوخ في القيام من أماكنهم رغم إصرار زركر بأن هؤلاء المسلحين مأمورين بالحفاظ على أرواحكم فإبقوا كي نكمل الحديث معا حتى نصل الى صيغة نهائية، وكذلك رغم إصرار السيد علي السيد محمد علي العدناني على بقائهم حتى أذان الفجر الذي لم يبقى له إلا ساعة ونصف تقريبا حيث طلب منهم أن يصلي بهم جماعة لكنهم رفضوا كل ذلك وخرجوا محاطين بأبناء عشائرهم الذين كانوا مهيئين لحراستهم.
كيف فشلت الخطة الفارسية ولم يتمكنوا من قتل أ إلقاء القبض على أي واحد من الشيوخ؟
عندما خرجوا من باب المضيف كان زركر والذين دبروا هذا الأمر على يقين تام بأنهم سوف يقعون في قبضتهم لأن هناك عناصر مسلحة سوف اما تقتلهم أو تلقي القبض عليهم لكنه نسي بأننا نحن أبناء المنطقة ونعرف طرقها وبساتينها وفروعها وبيوتها، لأننا أخذنا رجالنا وسلكنا الطريق الذي يتجه إلى مدينة عبادان وليس الطريق الذي يتجه نحو كوت الشيخ كما هو معمول به، لأن الأوامر صدرت للمسلحين أن يكثفوا من مراقبتهم على هذا الطريق ويقتلون الذين يخرجون من المضيف عن بكرة أبيهم ولم يفكروا بالطريق الثاني الذي منه اتجهنا نحو ( منطقة الطويجات ) با تجاه الرويس عن طريق تلك الطرق التي لا يعرفها الفارسي أو اللري الذين جاؤوا بهم إلى المحمرة لقتال العرب والفتك بهم حقدا منهم عليهم.
بعد أن أدرك المأمورين إن خطتهم قد فشلت وفهموا بأننا توجهنا باتجاه طريق آخر حاولوا ان يصلوا الينا لكنهم خسؤوا وخسروا وخاب فألهم ولم يتمكنوا منا باستثناء بعض طلقات وقعت على بعض سياراتنا ولم يصيبوا أي شخص بأذى والحمد لله حتى وصلنا إلى أماكننا آمنين ولم يتمكنوا من الدخول إلى مرابعنا لأنهم يدركون في تلك الساعة ما معنى المجازفة بمثل هذا العمل.
كنا قد ذكرنا بأن هناك اجتماع ثاني قد عقد بين مدني وعلوي وحقاني وبعض المسؤولين الحكوميين من جهة وبين الشيخ عيسى الخاقاني شقيق الشيخ محمد طاهر الخاقاني وديباجي من جهة أخرى في مقر قائممقامية المحمرة ودام حتى الساعة الثانية وتوصلوا الى إعطاء مهلة للعرب إلى يوم الخميس كي يسلموا مقراتهم الى الشيخ محمد طاهر الخاقاني ليسلمها هو بدوره الى الحكومة حتى لا تقع مجزرة وتسفك الدماء من الطرفين.
ماذا حدث بعد ساعتين تقريبا من إنتهاء هذا الإجتماع وهذا الإتفاق؟
في الساعة الثانية من صباح يوم الأربعاء أي ( الأربعاء السوداء ) خرج الجميع من الإجتماع وذهب الشيخ عيسى إلى مقر أخيه آية الله الشيخ محمد طاهر الخاقاني ليخبره بما جرى وبالنتيجة التي توصل إليها المجتمعون، وبينما كان الشيخ عيسى والشيخ محمد طاهر يتهيؤون إلى صلاة الفجر ليذهبوا الى مسجد الإمام الصادق ومع أذان الفجر أصبحت مدينة المحمرة بكل أطرافها وشوارعها تحت مرمى نيران قوات الكماندوز والمتطوعين وعناصر الحرس الثوري والملثمين إضافة إلى القوات البحرية والبرية والجوية التي صدرت اليها أوامر من احمد مدني بقتل العرب بدون رحمة وبدون رأفة وبدم بارد، وكان صوت المدافع يهز أركان المدينة ورصاص الأسلحة الخفيفة والمتوسطة يحصد المارة ولم يميز بينطفل أو شيخ أو امرأة أو شاب وحتى الآمنين في البيوت تم قتل العديد منهم بواسطة القذائف التي كانت تتساقط عليهم بسبب القصف العشوائي الذي أمر به أحمد مدني.
تم تطويق المدينة من كل مداخلها ولم يتمكن احد من الدخول اليها او الخروج منها خاصة طرقها التي تربطها بمدن عبادان والأحواز والفلاحية.
في تلك الليلة وقبل أن ينتهي الإجتماع في منطقة البوزة كان قد غادرنا الشهيد عباس سعودي إلى مقر المنظمة لأنه هو من كان مسؤولا عن الخفارة في مقر المنظمة في تلك الليلة، أخبرنا بصورة وبأخرى قبل الهجوم بأن الوضع متأزم وانهم سوف يهاجمون مقر المنظمة السياسية والمركز الثقافي لا محاله فكونوا على أهبة الإستعداد، علما إننا كنا على أهبة الإستعداد في منطقة الرويس وكوت الشيخ والشبيشة وأبو حسيبي والطويجات والمحاويل، وكل هذه المناطق تقع في الجانب الثاني أي في جهة كوت الشيخ وليس في الجهة التي فيها المقرات العربية وأعني به مركزمدينة المحمرة.
عندما سمع الناس أصوات المدافع والرشاشات المتوسطة والثقيلة هرعوا نحو نهر كارون ليعبروا لنجدة إخوانهم وكلما أرادوا أن يعبروا بأي وسيلة نهرية زورق كان أم لنج لم يتمكنوا بسبب كثافة النيران حيث كانوا يوجهوان نيران البحرية من جهة وهي التي تقع بجانبهم ونيران الكماندوز وحراس الثورة والمتطوعين من المستوطنين من غير العرب وبعض العرب الخونة الذين كانوا مع الملثمين يقتلون أبناء شعبهم من جهة اخرى.
هناك من قرر عبور نهر كارون معتمداً على مهارته في السباحة وكان عدد منهم يحملون معهم بنادق صيد ورغم ان النهر عريض لكنهم عبروا ببنادقهم رافعين البندقية إلى الأعلى بيد ويفوجون باليد الأخرى وكان همهم الإلتحاق بمعركة الشرف الدفاعية، وهناك من تمكن بصورة أو بأخرى من العبور بأحدى اللنجات وهي عبارة عن سفينة خشبية كانت راسية بجانب رصيف شركة البيبسي كولا تريد تحميل بضاعتها من المشروبات الغازية الى الكويت، حيث امتنع صاحبها بادئ الأمر من أن يقوم بتشغيلها لينقلنا الى الجهة الثانية لكنه رضخ لضغوطنا بعد ذلك، وركب في اللنج العشرات من الشباب وكنت أحدهم ومعي عميد الأسرى الأحوازيين فوزي رفرف وهادي أبو محمد الأحوازي وراضي درويش ابو محمد والشهيد ثمين الفيصلي وكثير من الشباب ووصلنا الى مقر المنظمة السياسية بعد ربع ساعة تقريبا من اندلاع الحرب.
حال وصولنا تحت النيران إلى مقر المنظمة أسرعت الى غرفة اللجنة الإعلامية حيث مكبر الصوت وأخذت أناشد الناس لنجدة أخوانهم في المقرات العربية وقمت بقراءة الأشعار الحماسية التي كانت تبث العزيمة والنخوة والشيمة العربية في نفوس العرب الذين كانوا يسمعون صوتي قبل انقطاع الكهرباء، وفعلا إنتخى أبناء عدنان وقحطان أبناء المحمرة الأشاوس ودافعوا عن شرف أمتهم بما كان بمقدورهم بكل شجاعة وعنفوان.
ومن هذه الأشعار والشعارات:
(( سَلي الرّماحَ العَوالي عن معالينا واستشهدي البيضَ هل خابَ الرّجا فينا ))
أو
(( هبوا شباب العلا للفخر واندفعوا لساحة الحرب أبطالا ميامينا ))
(( ودافعوا في سبيل المجد عن وطنٍ إن يفدى بالروح منا ليس يكفينا ))
أو
(( إن الشجاعة والفصاحة والإبى فينا ورثناها من الأجداد ))
(( والعلم والجود والأخلاق قد جمعت في أمة نطقت بحرف الضاد ))
أو
(( ورجال العز نهضت بيها ))
أو
(( يالعربي افزع والعب جولة ))
أو
(( والما يفزع يلبس شيلة ))
أو
(( والبيت النه ودمنه نسيله ))
أو
(( ياخوي انهض يومك هذا ))
بهذه الأشعار وبغيرها كنت اشحذ الهمم في تلك اللحظات بينما كان الأبطال من حراس المنظمة فوق سطح المبنى يواجهون العدو بكل بسالة بما لديهم من بنادق برنو وبنادق صيد وبندقية أمريكية واحدة وهي من نوع جي سي ورشاش مصري واحد نوع ( بور سعيد ) وهو ما كان لدى العرب من سلاح حين هجم عليهم مدني وزبانيته بأسلحتهم الفتاكة.
كان فوق السطح عدد من الحراس من بينهم حميد الكردي وبن عمه وعلي جابر المطوري وهو بن خال الشهيد سيد محمد العبودي وإثنين من أبناء عمومتنا وثلاثة آخرون لا أعرف من هم، أي ثمانية حراس.
كان علي وحميد وأبناء عمومتي لديهم اسلحة برنو عدد اثنين وبندقية جي سي واحدة ورشاش بور سعيد واحد والبقية كان لديهم بنادق صيد ولم يكن إبن عم حميد يحمل أي سلاح لكنه كان يساعدهم، وعندما حمى الوطيس حاول إبن عم حميد أن يأخذ بندقية ابن عمه حيث قال له أنا اشطر منك فيها اعطني وانت انزل تحت، فصار بينهم جرٌّ وشدّ وكل واحد يريد ان يكون هو من يواجه العدو كي يحمي غيره، ولم تمضي الا لحظات حتى استشهد ابن عم حميد الكردي الذي لم نعرف اسمه وأما علي جابر المطوري فاستشهد بعد استشهاد إبن عم حميد الكردي بدقائق، وبعدها جُرح حميد الكردي برجله اليمنى والتي تم بترها فيما بعد وثلاثة آخرون فوق السطح، وتمكن البقية من النزول الى داخل البناية ذلك بعد أن كثف العدو من نيرانه وبعد أن تمكن من الهجوم على المركز الثقافي العربي الذي كان يتحصن فيه عدد من الشباب العربي من ضمنهم كان الأخوة المناضلون عبد الوهاب الخانجي وناصر الكنعاني ( أبو الفوز ) وعامر عبد الحسين النجار أبو ياسر وطاهر الحاج ياسين ( حلمي زادة ) والذي تمكن من الفرار من قبضة العدو حين قفز الى مقر المنظمة السياسية حيث الشباب كانوا يدافعون عنها، وبينما كنت القي الأشعار والهوسات والشعارات الحماسية وإذا بالكهرباء تنقطع فجأة ولم يعد أحد بعدها سماع صوتي فخرجت الى الحديقة الخلفية للمنظمة لألتحق بالرفاق من الشباب، منهم فوزي رفرف والشهيد ثمين وراضي درويش وهادي ابو محمد وكثير من الشباب واذا بالعدو يبدأ هجومه على المنظمة من عدة اتجاهات منها:
1 – نهر كارون بواسطة الزوارق الحربية حيث نيران الرشاشات الأحادية والثنائية والرباعية الخاصة بمقاومة الطائرات.
2 – مقر الشرطة العام والذي يسمونه ( شهرباني )
3 – مقر الإنضباط العسكري والذي يسمونه ( مرزباني )
4 – فندق آناهيتا المجاور لمقر الشرطة
5 – فندق آخر مقابل مقر الإنضباط العسكري ويقع على يمين البنك الوطني ( بانك ملي ) بجانب كراج المرحوم الحاج عبد الكريم الفيصلي لا أذكر اسم هذا الفندق
بعد أن رأى الجميع أن البقاء في المقر لا فائدة منه قرروا الخروج منه، أنا والأخ طاهر الحاج ياسين والشهيد ثمين ذهبنا باتجاه منطقة الحيزان، الأخ هادي ابو محمد وعدد من الشباب ذهبوا باتجاه بيت الشيخ محمد طاهر الخاقاني رحمه الله عبر الفروع خلسة وعدد آخر تمكنوا من أن يوصلوا أنفسهم الى أماكن اخرى ليعبروا بعدها من مناطق بعيدة عن المنظمة السياسية الى منطقة كوت الشيخ.
عندما ذهبنا نحن الثلاثة أنا وطاهر والشهيد ثمين بعيدا عن مقر المنظمة الذي تم حرقه من قبل الشباب قبل الخروج منه افترقنا في منطقة الحيزان، في هذه الأثناء رأيت أحد ابناء شقيق السيد هادي جاء مسرعا نحو المنظمة فقلنا له إرجع انتهى الأمر، وكان المرحوم السيد هادي موجودا في أحد البيوت هو والمناضل علي معارج أبو حسين الأحوازي الذي خرج هو والشهيد سيد حميد وعدد من شباب الحيزان في شوارع المحمرة وقاوموا بما كان بمقدورهم، وحين افتراقهم عن بعضهم تم القاء القبض على الشهيد سيد حميد السيد هادي والذي تم اعدامه فيما بعد في اعدادية التجارة في فجر أحد أيام شهر رمضان وهو اول رمضان يحل على المسلمين بعد مجزرة الأربعاء السوداء.
كتب الأخ محمد نجل آية الله الدكتور عيسى الخاقاني في جزء من إحدى مقالاته حول مجزرة الأربعاء السوداء يقول:
” مجزرة المحمرة هذه استمرت لثلاثة ايام انقطعت فيها المدينة عن العالم الخارجي وقد خلفت المجزرة أربع مئة قتيل أغلبهم لا يدرون لماذا قتلوا؟ وامتلأت المستشفيات بالجرحى، وقد عثر على أكثر من سبعين جثة طافية في شط العرب!!، كان يؤلمني جداً تذكر جثمان السيدة العجوز التي ادت صلاة الفجر وصعدت الى سطح البيت حيث التنور لتخبز لأبناءها فاصطادها قناص فارسي اهوج، وكذلك الطفل عباس بن صبري الذي يخرج قبل طلوع الشمس لغسل السيارات لمعاونة والده المعوق، حيث اخترقت جبهته رصاصة طائشة، جعلت والده المعوق طائش الفكر يجوب الشوارع بحثاً عن عباس ثم يقف مطرقاً ليخبر المارة ان عباس قد مات! “
إلى هنا أكتفي بهذا القدر حتى التقيكم و حلقة جديدة السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ملاحظة:
من أجل تزويدنا بمعلومات، أو تصحيح معلومة، أو تزويدنا بأسماء الشهداء أو بقية المناضلين الذين لربما ننساها ولا نذكرها مع الأسماء التي نذكرها في الحلقات، أو من أجل أي استفسار تودون أن تستفسروه منا، يرجى التواصل معنا عبر الأيميل التالي:



