حديث وبراهين “تاريخية وراهنة” عن الإنتصار الحتمي للقضية العربية الأحوازية بقلم: عادل السويدي
حديث وبراهين “تاريخية وراهنة”
عن الإنتصار الحتمي للقضية العربية الأحوازية …
القسم الأول
مقدمة :
المراحل التاريخية الثلاث . . .
إن إنتصار وطننا وتحقيق آمال شعبنا في تقرير المصير وإنتزاع الإستقلال الوطني إنتزاعاً وإنجاز السيادة السياسية، وهو ما يرنو إليه أبناء مجتمعنا الأحوازي العربي المناضل، هي النتيجة الطبيعية والموضوعية لأي حراك سليم وكلي وقضية عادلة وحقة تعتمد على ذاتها الوطنية الشعبية، أساساً، ومنها قضيتنا العربية الأحوازية، ولكي نصل إلى تصور صادق ومفعم بالأمل لابد من إمتلاك رؤية سياسية متكاملة، لذا كان من الواجب علينا الغوص في الوقائع التاريخية وتتبع مجراه الأساسي في نطاق الحضارة العربية الإسلامية، بعمق وتبصر وإدراك علمي، حول التفاصيل التاريخية والإجتماعية والسياسية .
إن عوامل موضوعية كثيرة هي التي صاغت وكونت وعي الانسان العربي الأحوازي صياغة لم تجعله يصل حداً في التطرّف في الولاء الأيديولوجي المطلق، لأي مذهب ديني أو التعصب لأي فكرة سياسية أو الهيام في أية فكرة مطلقة، بقدر ما هو ملتزم بقضيته الوطنية الأحوازية ورؤيته القومية العروبية، وهذا كان ناتجاً موضوعياً بفعل الصراع التاريخي الأساسي الذي كان ناشباً على الدوام بين التكوين (العربي) الأحوازي، من جهة، وبين الأطماع (الفارسية) العنصرية الهادفة الى استعباد البشر واستنزاف طاقاتهم الانتاجية والفكرية، من جهة أخرى .
فالتاريخ الاٍجتماعي للسكان العرب وتقاليدهم في الحياة اليومية المعاشية وحتى ملابسهم التقليدية، وعوامل الجغرافية الطبيعية المتمايزة عن الجغرافية الفارسية، وطبيعة المجتمع التكوينية، كانت لهم التأثيرات الكبيرة في صياغة وعي الانسان الأحوازي وتفكيره، وللعوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والارث الحضاري العربي ما قبل الاسلام، والارث الفكري العربي الاسلامي لما بعد الاسلام … كل تلك العوامل الموضوعية لعبت الادوار الكبيرة في صياغته، وتأطير مفاهيم الصراع وإختزاله فكرياً وسياسياً في العامل ((القومي)) في هذه الجغرافية بشكل أخص، مثلما تكمن في ثنايا التكوين المعرفي لكلى التكوينين الإجتماعيين بحكم الملامح والتفكير الديني: المسيحي والمغاير لمفاهيم الدين الزردشتي وعبادة النار، أبعاد الصراع كذلك في الثقافة العنصرية الفارسية تجاه أمتنا العربية، بشكل أعم، لذلك لن تجد، في أي لحظة تاريخية معينة، أن تطرّف أبناء هذا الشعب داخلياً لدين أو لأيديولوجية، وإنما كان حد الإلتزام العفوي أو المخطط له يصل فقط بمقاييسه القومية العروبية والوطنية الأحوازية في تماهٍ كلي وتاريخي حتى اللحظة الراهنة …
وعليه فإني سأتطرق إلى ثلاثة نماذج مستمدة من التاريخ الفعلي لشعبنا، وعمقه القومي العربي، والحضاري العروبي الاسلامي بغية دعم موقفي وحديثي …
النموذج الأول (معركة ذي قار 609م):
كانت مفاعيله الإجتماعية في الماضي السحيق، أي قبيل معركة “ذي قار” التاريخية، فإنه من طبيعة الفرس الذين إستجلبوا كدخلاء جدد بغية توظيفهم في العمل العسكري في الدفاع عن المنطقة مع اليهود منذ زمن بعيد، كما تذكر ذلك الأبحاث التاريخية الجادة والرصينة ومنهم الدكتور الايراني ناصر بور بيرار، وكما هو معروف أيضا بأن للفرس أخلاقياتهم في أي عمل إحتلالي إستيطاني عندما يمتلكون القوة، وبالتالي يتمكنون من النجاح السياسي والعسكري، حينما يحتلون منطقة معينة، فإنهم كانوا يعملون على تغيير أسماء مدنها والتشويش على معالمها وبالتالي يستهدفون تغيير المفاهيم التاريخية والثقافية للمنطقة المحتلة بواسطتهم(1)، وهذا كان بالضبط ما حصل في أواخر مرحلة غياب تأثيرهم الاجتماعي والأخلاقي على تطورات الأحداث في المرحلة الاولى من معركة (ذي قار) .
وحسب الدكتور الباحث صالح أحمد العلي في كتابه المعنون (الأحواز) يؤكد “أن الفرس كانوا قد بدأوا بتغيير اسامي المناطق والسهول والانهار، إنطلاقاً من رؤيتهم العنصرية الإستراتيجية ضد الآخر: العربي، الأفغاني، البلوشي، الكردي”، إذ أن من عادة الفرس دائما هو هذا النهج، ثم بدأوا بتكريس معابدهم المجوسية بشكل واسع وغريب وبالقوة في الأحواز والمنطقة العربية المجاورة لها، ثم أرغموا الناس على اِعتناق دينهم المجوسي، ولكن في المقابل بدأ العرب الأحوازيون بمواجهة ذلك التعسف والانحطاط الاخلاقي والسياسي والاجتماعي وتنامي أزمتهم المعتقدية والروحية بمواجهتهم من قبل العرب الأحوازيين عبر ترسُّخ مفاهيم التعاضدية القائمة على أساس الدم والعرق والعشيرة والقبيلة والتمسك بديانتهم المسيحية وبعض المنظومات الدينية المتوارثة في أرض العرب .
لقد تبينت إرهاصاته الأولى على مستوى الرؤية الدينية، إذ أنَّ دين أبناء الأحواز كان في تلك الآونة هي الرؤية الدينية السماوية: “المسيحية”، وكان الفرس يتدينون بالدين “الزرادشتي المجوسي”: أي عبادة النار والطاعة المطلقة للملك الفارسي الذي يستطيع يقتل أو يتمكن من أنْ “يمنح” الحياة او يحجبها، وكانت من عاداتهم إنهم غيروا معالم الأحواز ـ اي الفرس ـ بالقدر المستطاع عبر إستخدام القوة الغاشمة في تلك الآونة، ثم زادوا وبتطرف ـ [كما هو الحال في المرحلة الصفوية وكما هو يحصل في الأحواز منذ أكثر من ثلاثين عاماً ونيف أي منذ مجيء الخميني] ببناء المعابد المجوسية وأرغموا بالقوة أبناء هذا القطر العربي على التدين بالمجوسية (2)، عبر الغزو المفاهيم الدينية والعنصرية، وكان في المقـابل قد أدى ذلك الصراع القومي، الفارسي العربي، وليس الديني، الزرادشتي ـ المسيحي، في الأحواز أن يتمسك بشدة بالمقابل ابناء الأحواز بكل ما يتعلق بهويتهم العربية الدينية، كون المسيحية هي بالأساس ناتج فكري ومعتقدي للوطن العربي وللجغرافية الفلسطينية، على وجه التحديد، كما أخذوا يتمسكون بكل قوة في التقاليد الفكرية والقيم الروحية الذي يتشكل منها بنيانهم المعرفي الذي أفرزه تراثهم.
ثم أن الأحوازيين بدأوا بحرق تلك المعابد المجوسية ردا على فرض تلك الديانة الغريبة على ثقافة الأحوازيين ومعتقداتهم الدينية، والأمر كان يدل بما لا يدع مجالا للشك تصاعد الأفق الكفاحي في مواجهة الاحتلال الفارسي الاجنبي عليهم، ثم اتسعت المواجهات والمقاومة للفرس في الأحواز عبر قيادة عشيرة (شيبان) العربية في الأحواز لتتسع الى بنو عمومتهم في العراق ودعوة أبناء عمومتهم ايضا (شيبان) من كبار العشائر العربية وفي شبه الجزيرة العربية للمشاركة في مواجهة العدوان الفارسي، سواء كان ذلك بغطاءات فكرية مذهبية عن طريق الإرثِ القبلي، وكان النصر حليفهم في معركة (ذي قار) الحاسمة.
لقد أصبحت هنالك قناعات متشددة بلغت حد التمسك الشديد الملفت للنظر عبر تمسكهم بالرؤية الدينية “المسيحية” لدى أبناء الأحواز في تلك الحقبة الزمنية (3)، إذ بدأوا يحرقون المعابد المجوسية، ويواجهون فلول الفرس عبر الخطف والقتل وحرق مراكز تواجدهم، الى أن نضجت الظروف الموضوعية لمواجهة الحضور الفارسي ومجابهة غزواتهم الحقيرة، وكانت بدايات المعركة، قد تجلّت عبر (معركة ذي قار) التي كانت قد نشبت بداياتها في الأحواز التي شكلت المظهر الرئيسي للتصادم بين القوميتين، العربية والفارسية، من خلال القيادة العربية الأحوازية المقاتلة للفرس والتي قادتها قبيلة بني شيبان، فأشعلت المنطقة وتآخى معنا العراقيون أبناء العمومة في هذه المعركة القومية، وسرعان ما وصلت الامدادات من أبناء العمومة العروبيين في شبه الجزيرة العربية وساندتها كل العشائر العربية التي كانت تعتز بذاتها العربية، فإنتصر التوحد العربي المستهدف على التكتل الفارسي المعتدي، وكانت مقولة الرسول العربي محمد بن عبدالله (صلى الله عليه وسلم) بمثابة ما يمكن تسميته بالتنظير للإرهاصات التاريخية للتوجهات الوحدوية العربية حينما أكد من خلال مقولته ((العروبية)) والتي إعتبرت خطاباً قومياً دعم من خلالها الروح العربية المقاتلة والمناهضة ضد الأجانب الفرس، فقال: ((اليوم إنتصفت العرب من العجم)) علماً بأن تلك المرحلة كانت مرحلة تاريخية شهدت بدايات نشوء الدعوة العربية الاسلامية وشكـّل العرب مادتها الدعوية، وكانت معجزتها الأساس المنجز اللغوي المعجزة (القرآن)، وتم تدشين عملها في نطاق عصرها التبشيري السري . . .
وقد رفع المعسكر العربي في معركة ذي قار شعاره ((إنا لمنصورون))، وبشّروا بظهور الرسول العربي محمد بن عبدالله (ص) في مكة، فمعركة ذي قار كانت عبارة عن الارهاصات الاولى لتكون العرب القومي، وبدايات اِنبلاج الرسالة العربية الاسلامية التي أدّت بها التطورات الموضوعية الى تحرر كامل للأرض العربية، من جهة، ثم التوسع في نطاق الأراضي غير العربية لتعم فيها معالم ومفاهيم وسلوكيات الدين الاسلامي الجديد، من جهة ثانية . هذا هو النموذج الاول .
07 – 12 – 2013



