مقالات

مشروع(المحكمة العربية لحقوق الإنسان): التحديات القاتلة والإقدام المثمر بقلم: أحمد إلياس تابر

تنتظم العالم العربي ” حالة نهضة” في مختلف المستويات الرسمية والشعبية. وهى تطور طبيعي ومنطقي للعصر وحركة التنوير والتنوع الثقافي والحضاري.فالعالم كله يجنح للتغيير وينشط في إكتساب مصالح جديدة من المعرفة، التى هى أهم وسائل الخيارات، وما تقدمه من بذل في التحرر. وبرغم الصراع الحضاري المحتدم تبقي المعرفة هى أداة القدرة على المواجهة في ذاك الخضم، أهم أدوات المعرفة ومصادرها هو العدل.. العدل مضمونه المطلق الذى لا يتأتي  إلا عبر المعرفة ولا يفضي إلا إليها. والعدل هو من القيم النادرة، فلا يكاد يسبقها في الترتيب إلا الإحسان، وتأتي بعدها القيم الأخري، من كرم وشجاعة وصبر.. وغيرها، بل من من معطيات العدل، فلن تكون شجا إن تكن عادلا، وكريما إذ تفتقر للعدل، ولا صبورا إن لم تتزين بالعدل، والقياس مطلق في إطلاق العدالة نفسها. وكشأن أية قدرة أوقيم، يتعامل البشر في تداولها والتعامل بها، فالعدالة، ومطلقها العدالة، تحتاج إلى التنمية والنشر من خلال تاسيس مؤسات العدل وبيوته.

صدع القوم بمشروع المحكمة العربية لحقوق الإنسان” بمبادرة من مملكة البحرين، والتى إنطلقت من كلمة ملك المملكة البحرينية، خلال تسلمه تقرير اللجنة المستقلة لتقصي الحقائق في 23 نوفمبر 2011.. وتطورت المبادرة لتأخذ طريقها إلى الدراسة والتقويم، ثم إلى جامعة الدول العربية التى أقرت المشروع وسمت المنامة مقراً للمحكمة العربية لحقوق الإنسان في قرار تاريخي فارق. وجدَّ الفقهاء القانونيون في حفر الأساس للمشروع الحضاري الرصين، ليس لأن هناك الجنائية الدولية، ولا لأن الأوربيونلديهم محكمة لحقوق الإنسان، بل لأن العرب باتوا يتحركون- عن نية طيبة أو رضوخا لواقع التحرك الحضاري الذي أشرنا إليه أعلاه- نحو المحافظة على وجودٍ ذي كينونةٍ عربيةٍ.

 

لقد مرت على العالم العربي ظروفٌ قاسيةٍ من التشتت والإنقسام، فمن تحولات قومية إلى أخري شيوعية وثالثة هى نماذج من الإشتراكية، لم تنبت شفة ثقافة من تلك الثقافات بمصطلح يشير للعدل من قريب أو بعيد، حتى باتت الهوية العربية على شفا الهاوية. وفشلت، بل إنبتت، حركات الوحدة العربية على أدني مستوياتها، الإقتصادية والتجارية، التعليمية، الثقافية.. إلخ، ناهيك عن المستويات العليا من تشريع واستراتيجات وتنسيق متعدد المسارات.. ومن أهم تلك المسارات” حقوق الإنسان” فالعالم العربي يعج بنقيض العدل، الظلم في منظومة ممنهجة، أو من نتائج الإهمال والتردي الثقافي والسياسي. وتتعدد حركة الظلم حتى باتت في بعض أقطار العرب، حالة مستقرة! والقياسات أكبر وأكثر من أن تعدد، ولكن على المتويات الكلية، ترى إجحافا في منظومات الدولة الخادمة للشعوب، التعليم، الصحة، السكن، والفقر الممعن في الإدقاع.. ولم تنهض الكثير من الدول بدورها في أن تفهم وتُفهم شعوبها أن تلك- وغيرها- حقوق إنسان، وساد تجهيل تام لتلك الشعوب ومكثت في ظلام المعرفة، والحس، بحقوقها، حتى المؤسسات الأكاديمية لم تضطلع بدورها التنويري في تاسيس منهاج، معرفية، أو على الأقل تعليمية في موضوعات حقوق الإنسان، والتى غدت مادة أكاديمية ثرة الموارد المعرفية. وهى أزمة منعت قعدت بالأجيال عن الجهر برغباتها وكتمت طموحاتها ومنعت مبادراتها من أن تسهم في الحضارة العالمية الحاضرة، وأبسط دليل على ذلك هو في القدرات العربية المهاجرة، والتى نشط عطاؤها ورغدت قدراتها في الإسهام الحضاري.. كانت، وما تزال، شهودا حضاريا رائعا لرسل معرفة، عرباً،نالوا حقوقا في غير ديارهم فانعكست في رفع كفاءتهم كموارد إنسانية عظيمة الثراء.

 

ولكن، يلوح في آخر النفق وميض من أمل في أن المستقبل يحمل وعدا طيباً. بإعلان تاسيس المحكمة العربية لحقوق الإنسان.. وهى قفزة فوق ذاك الواقع الممض ألما، فالمحكمة، أياً تخصصها، هى مركز العدالة، ولخاصية تأنيثها، فهى أم العدالة، تلد ولدا إسمه”حكم” يضع الظلم عن الناس ويرفع حقوقهم إلى العلياء. والمحكمة، وهى في طور الدراسة، ينتظر منها الكثير من الإنجازات وتراكمات السنين من الظلم ومترادفاته: القهر، الحجب، الإقصاء وهدر الفرص الإجتماعية والإقتصادية والثقافية في العالم العربي.  ولعل الدراسة أن تستجيب لمكونات المجتمعات العربية وتحافظ على مقوماتها وأنساقها الثابتة. إن أهم العناصر الواجبة التركيز عليها في، تقديري، والعكوف على سبر أعماقها فالنهوض، من خلال منظومة المحكمة العربية لحقوق الإنسان، لهي:-

 

أولا/ خصوصية الواقع الثقافي العربي المتنوع كإقليم وارث لحضارات أسست للتأريخ والمدنية.

 

ثانيا/ تطوير قدرات النهوض بحقوق الإنسان وفق المعايير الوطنية والإقليمية المتداخلة والمغلقة في الوطن العربي، بما يراعي الذاتية الوطنية والجهوية في إطار الوطن الواحد المتعدد الإثنيات.

 

ثالثاً/ بث روح المصالحة وتحفيزها بديلا للعقوبة. وهنا معيار أخلاقي ينفرد به الواقع الثقافي العربي الجانح للسلم والتعايش في إطار من الإنسانية والروحانية.

 

رابعاً/ الأخذ في الإعتبار مأزق الجغرافيا السياسية وما تحتويه من مفاهيم حول السيادة الوطنية، فالتشريعات العربية الوطنية لم تتضامن، وذاك يتم التواضع على مرجعية تشريعية واحدة.

 

وهنا شبكة من التفاصيل المتداخلة تجعل من البداية مرحلة بالغة المشقة، وربما العنت، وأبلغ ما تصله من عنت هو محاولة العمل على تخليق محاكاة للمؤسسة العربية المزمعة. فقد تتجه الأنظار نحو نسخ الجنائية الدولية، أو محكمة الإتحاد الأوربي لحقوق الإنسان، وهنا تكمن المخاطرة، فكلا المحكمتين قد أٌنشأتا في ظروف تختلف، ظرفيا وسياسيا وثقافيا،عن المجمعات العربية. فلا بد، إذاً، من إنتاج مؤسسة عدالة من الخامات الثقافية والعقدية المحلية في إطار الأعراف والقواعد الإجتماعية العربية. ومنها الإلتزام بمباديء نصرة المظلوم، الأصيلة فينا، وتأسيس قواعد- لازمة الإتباع- في رد المظالم إلى أهلها، وإلا في إسراف في الظلم، ومن المهم قراءة معايير الصلح وتاسيس بني جوهرية لها.

 

إن المنظومة الغربية بعيدة عن منظومات التقاليد العربية الرصينة والممتدة عبر رحلة البشرية العربية في خضم التأريخ، وتنوع الأديان، بل واختلاف الألسنة والألوان. وقد يفرض الواقع الوطني- القائم على الجغرافيا السياسية- مفاهيم متنافرة، كما هو الحال اليوم في التطبيقات السياسية العربية،ولكن ذلك أمر سهل، فالتلاقي العربي يمكن أن يحل تلك المعضلة، متى ما صحت النوايا وصدق العزم، ويمكن للمحكمة العربية لحقوق الإنسان أن تؤسس السوابق القضائية المرشِّدة لتشريعات حقوق الإنسان، في الدول العربية،بما يفضي لوحدة تشريعية بين العرب تكون بنيات أساسية لوحدة أعظم.

 

برغم هذا وذاك، تبقي مبادرة تأسيس محكمة حقوق الإنسان العربية” مبادرة رفيعة المقام وتستحق مملكة البحرين وملكها التحية والثناء وتكون النقلة القادمة هى المرحلة الحاسمة فيالعمل على تأسيس المحكمة، وقد صحت عزائم منظمات المجتمع المدني للتعامل تلك المحكمة والنظر في منظومات تأسيسها وستعمل، تلك المنظمات، على صناعة واقع جديد يلغي من الثقافة العربية مشاعر الظلم، ويدمر آلياته لتبقي العدالة حرة طليقة لا يرهنها راهن لقيده ولا يحتويها ظالم بظلمه.. العدالة قيمة مطلقة…

 

 

 

•        إعلامي سوداني مقيم في المملكة المتحدة.

 

•        عضو الأمانة العامة للتحالف العربي للمحكمة العربية لحقوق الإنسان.

 

•        AhmedElyas2@

 

 نقلا عن ((وكالة الحدث الدولية))

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى