الأممية والوطنية في إيران الخميني بقلم: محمد بن علي المحمود
الرياض
أشرت في المقال السابق إلى أثر التصورات الماضوية للخميني على تحديد إطار الدولة الإيرانية، وخاصة في إضفاء البعد الأممي على طبيعة الدولة (عندما قرر الخميني صراحة أن الإسلام لا يعترف بالحدود بين الدول الإسلامية، وأن القطرية الإيرانية خطوة للدولة الإسلامية العالمية)، وعلى وظائفها (حيث الوحدة الإسلامية طريق لحكم العالم)..
وإذا كان الخميني راوغ أحيانا؛ فزعم أن هذا التمدد المأمول، العابر للحدود، يكون بتصيدر المثال/ القدورة، وليس باختراق الحدود وانتهاك السيادات؛ فإن كل من له إلمام بأدبيات الإسلاموية المعاصرة، التي لم تكن الخمينية إلا رأس حربتها، يعرف أنها جميعا تنطلق من هذا التصور الأممي في مجمل رؤاها السياسية، وأنها – تبعا لذلك – لا تزال خارج منطق العصر الذي تتموضع فيه. لهذا تتوالى إخفاقاتها على نحو مأساوي، وتصطدم بالداخل وبالخارج على نحو متكرر؛ دون أن يستحثّها هذا الفشل المتواصل على اجتراح نقد حقيقي للذات.
نحن لا نتّهم الخمينية بالمراوغة من فراغ، بل ليس الخميني بِدعاً من رجال الدين الممزقين بين وعي تراثي أممي، يعيشون فيه على مستوى المخيال السياسي، وبين واقع قطري وطني يعيشون فيه الواقع بكل تفاصيله. وفي الداخل الإيراني، بل وفي الخط العام الذي ينتظم رجال الثورة، ليس الخميني وحده من يحمل هذه الرؤية الأممية التوسعية العابرة للحدود، والمتضمنة لإرادة هيمنة تستبطن العدوان ضرورة، نظرا لكونها هيمنة توسعية لا تعترف بحدود الأوطان.
فهذا آية الله طالقاني الذي كان من أشد رجالات الدين تأكيدا على حقوق الإنسان، وأقربهم – نسبيا – من الرؤية المدنية، يرى أن المسلمين لا بد أن يتحولوا إلى شهداء إذا شاءوا حكم العالم (إيران، دراسة عن الثورة والدولة، وليد عبدالناصر، ص46)، فحكم العالم الذي طالما لهج به سيد قطب ومحمد قطب – مع استحالته – هو هدف معلن في أدبيات الإسلامويات الأصولية كلها، بل هو هدف أسمى، تُقدّم في سبيله الأرواح؛ فضلا عن انتهاك حرمات الأوطان.
أحيانا، ولاعتبارات سياسية ظرفية، يعلن الساسة الأمميون المتأسلمون أن التوسع المقصود هو توسع ثقافي، أو نفوذ يتخذ من وسائط القانون الدولية مشروعية له. أي أنه – وفق زعمهم هذا – ليس انتهاكا متعمدا يقفز على سيادات الدول.
فمثلا لتخفيف حدة التوتر بعد عقد من الثورة، ولإجراء مصالحة مع دول الجوار، صرّح رفسنجاني عقب توليه الرئاسة عام 1989م، أنه يرفض فَرْض الثورة على المسلمين خارج إيران، وأن إيران ستُصدّر أفكارها في إطار القوانين الدولية. وفي هذا السياق، قام بإقصاء علي أكبر محتشمي أحد دعاة تصدير الثورة من وزارة الداخلية (إيران، دراسة عن الثورة والدولة، وليد عبدالناصر، ص74).
وإذا كان التيار الداعي لتصدير الثورة، يمارس ذلك على اعتبار أن تصدير الثورة يمثل أحد سبل حمايتها في الداخل، فإن الخميني صرّح بأن تصدير الثورة يكون بالمثال، وتعهد بعدم مهاجمة الدول الأخرى (إيران، دراسة عن الثورة والدولة، وليد عبدالناصر ص71).
ويكفي هذا التصريح ليؤكد أن ثمة اتهاما حاضرا آنذاك، وأن هناك قرائن تدعمه، وبالتالي يحتاج نفيه لتعهدات تؤكد البدهيات السياسية التي لا تحتاج – في الأوضاع الطبيعية – لتأكيد ولا لتعهد.
إن هذا النمط من التوجهات السلمية التي تطفو على ظاهر الخطاب، هو ما يحاول ترويجه دهاقنة السياسة الإيرانية في ظل التفاعلات الدبلوماسية المعلنة ذات الطابع الظرفي/ التكتيكي. لكن، ليس المهم التصريح العابر، ليست العبرة بالخطاب الظرفي المُجامل لغايات دبلوماسية، بل العبرة بالأنظمة الدستورية الحاكمة التي تعكس الاستراتيجية العامة للدولة. وهنا، وفي إيران الخمينية تحديدا، نجد أن “الدستور أعطى الحرس الثوري والجيش في الجمهورية الإسلامية مهمة النضال من أجل توسيع حاكمية قانون الله في كافة أرجاء العالم”(إيران، دراسة عن الثورة والدولة، وليد عبدالناصر، ص72).
إنه نص خطير وصريح في تأكيد إرادة الهيمنة بالقوة المسلحة، خاصة وأن مهمة توسيع الحاكمية في هذا النص الدستوري ليست منوطة بوزارة الثقافة والإرشاد، أي ليست مهمة دعوية، بل هي مهمة عنفية/مسلحة، بدليل أنها منوطة بالمؤسسات العنفية/ المسلحة: الحرس الثوري والجيش.
مع هذا، يبقى السؤال الأهم: هل هذه الأممية تشكل هدفا غائيا، بمعنى: هل هي قناعة إيرانية بأن الوطن هو وطن إسلامي يتجاوز الحدود القطرية، ويقفز على أساسيات المصالح القومية، أم هي مجرد وسيلة من وسائل الهيمنة وتعزيز النفوذ لإيران، لإيران الدولة القومية القطرية تحديدا؟
وللتوضيح أكثر، هل إيران تتبنى هذه الأممية عن قناعة راسخة بأن مصلحة المسلمين أينما كانوا هي مصلحة إيران، وأنها ستدعمها ولو على حساب إيران، أم هي تتبنى هذه الأممية كرافعة للمصالح الإيرانية التي تضيق وتضيق؛ لتصبح مصالح الطبقة الدينية الحاكمة. وبالتالي عندما تتعارض المصلحة الأممية مع المصلحة الإيرانية؛ يكون الانحياز الكامل والحاسم للمصلحة الإيرانية؟
ابتداء، لا بد من الاعتراف أن هذه مسألة شائكة، والفصل فيها حتى على مستوى الوقائع المحددة صعب؛ لأن تقدير الحدود الفاصلة بين الدعم الأممي والمصلحة القومية ليس سهلا؛ خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار أن كثيرا من الأهداف هي أهداف استراتيجية بعيدة المدى، أي تخضع للاستثمار البعيد الذي قد يستلزم التضحية بمصالح فرعية آنية (بحيث يبدو السلوك السياسي مثاليا، وكأن الأممية مقدمة على الوطنية)، وأيضا يتعذر تقدير الحدود الفاصلة إذا أخذنا في الاعتبار دور القوى الناعمة التي يتم الاستثمار فيها، والتي قد لا تكون عوائد دعمها قابلة للرصد والقياس.
لأجل هذا التشابك والتداخل الذي يخضع لظروف الوقائع ولرؤية الفاعلين السياسيين، نجد أن كثيرا من الذين يُحاولون الفصل، بل وربما يؤكدونه، يعودون للمزج بينهما بشكل أو بآخر.
يقول محمد السعيد إدريس: إيران، يُحدد خياراتها أمران: المصلحة القومية والإيديولوجية الإسلامية، وهناك تعدد كبير للرؤى حول هذين والتداخل بينهما، وهناك من يخلط بينهما..إلخ (إيران – مصر، مقاربات مستقبلية، مجموعة باحثين، ص382و283).
ومن المرجح أن الخلط بينهما في التحليل ليس ناتجا عن ضعف في أدوات الرؤية التحليلية، ولا عن شح في الشواهد الدالة؛ بقدرما هو خلط يحدث على مستوى إرادة الفاعل السياسي، الإرادة الواعية واللاواعية في آن.
لكن، وأيا كان الأمر، فلا بد من محاولة الاستضاءة ببعض السلوكيات الإيرانية التي تُشكّل خرقا وضاحا للشعارات المعلنة، إضافة إلى رؤى كثير من المحللين الذين يبنون نتائجهم على رصد دقيق وشامل للوقائع من جهة، وللشعارات والتصريحات الإيديولوجية من جهة أخرى؛ لنعرف ما هو المحدد الأساس الذي يوجه بوصلة السياسة الإيرانية، أو – على الأقل – ما هو المحدد الذي يغلب بقية العوامل المساهمة في توجيه هذه السياسة التي يكتنفها الغموض في كثير من الأحيان.
يقول تريتا بارزي: بعد هزيمة العراق وسقوط صدام، شعرت إيران أن وجود النظام الإيراني على المحك، وقد وضعوا كل شيء على الطاولة: حزب الله، والصراع الفلسطيني، بما في ذلك حماس والجهاد والبرنامج النووي..
ذُهِل الأميركان من الاقتراح، خاصة اعتراف إيران أن أسلحة الدمار الشامل ودعم الإرهاب قضيتان مهمتان بالنسبة إليهم، وأنهم على استعداد للتفاوض عليهما (حلف المصالح المشتركة، تريتا بارزي ص338).
ويقول رياض الريس – بعد أن تحدث عن طبيعة المساعدات الإيرانية لثورة الشيعة 1991 م على نظام صدام – :” إلا أنها ليست إلا مساعدات محدودة وشكلية كنوع من إبراء الذمة تجاه الشيعة، وليس لتمكينهم من الانفصال”(مصاحف وسيوف، رياض الريس، ص83).
إذن، مصلحة إيران العليا، المتمثلة في الحفاظ عليها كوطن جغرافي/ قومي، ودولة/ نظام حكم، هي التي تحكم روح السياسة، بعيدا عن الهوامش الإجرائية والانزياحات الظرفية، فإيران الوطن والدولة عندما تتعرض للخطر، فكل شيء عند الولي الفقيه ورجاله قابل للتضحية به في سبيل الابقاء على الوطن الإيراني، ومن ثم على النظام الإيراني موحدا وقويا. بل حتى عندما يكون الخطر من الدرجة الثانية أو الثالثة، بل وحتى عندما تكون الخطوة ذات مردود مصلحي تقديري/ ظني؛ تعمد إيران إلى التضحية بمصير ملايين البشر من الشركاء في الدين وفي المذهب من أجل المصلحة الإيرانية. ومن هنا، فبوصلة الاتجاه التي يبني عليها صانع القرار السياسي الإيراني خياراته هي مصلحة إيران، وتحديدا: مصلحة النظام الحاكم، ولا شيء غير مصلحة إيران.
كثيرون يتحدثون عن قانون الجنسية الصارم في إيران. وقانون الجنسية في أي مكان هو أحد المحددات الواضحة التي تكشف عن مستويات الفصل والوصل بين الوطنية والأممية. كل دولة تستطيع أن ترفع شعارات أممية عالية ذات أبعاد عقائدية تضرب في عمق التاريخ، ولكن المحك الحقيقي هو مدى قدرتها على ترجمة ذلك عمليا؛ بإدخال هؤلاء الذين تزعم أنهم يعنونها – عقائديا – في الشراكة الوطنية التامة. هذا هو المحك، وفي الحالة الإيرانية، وكمثال للتوضيح: هل يستطيع أشد رجال الدين الشيعة تناغما مع إيديولوجيا مجلس الخبراء (أشد مجالس صنع القرار إيديولوجية في إيران)، أن يكون مُرشداً للجمهورية الإيرانية؛ إن لم يكن إيراني الجنسية مولدا، مع ضرورة ملاحظة أن المرشد الأعلى (الولي الفقيه) يتم تنصيبه بوصفه إماما للمسلمين داخل إيران وخارجها؟!
بل هل يستطيع الحاصل على الجنسية الإيرانية (دون أن يكون إيراني الأصل) أن يترشح لما هو أدنى من منصب المرشد، مثلا، منصب رئيس الجمهورية؟
كل الوقائع تشير إلى استحالة ذلك حتى في المناصب الأقل. وفي هذا السياق؛ لنتذكر أن جلال الدين الفارسي (أحد أقرب معاوني الخميني) لم يستطع الترشح لرئاسة الجمهورية حتى في أشد الفترات توهجا بالشعارات الأممية وبالنضال العقائدي؛ لسبب بسيط، ولكنه جوهري!، والسبب هو أن أباه كان أفغاني المولد!. وبهذا يتأكد ما خطّه أحد الباحثين النابهين من أن “المواطنية الإيرانية ليست فكرة إسلامية” (تجربة الإسلام السياسي، أوليفيه روا، ص169)، بل هي فكرة قومية محدودة بحدود الجغرافيا، هذه الحدود التي لا يستطيع الدين/ الإسلام، ولا المذهب/ التشيع اختراق متاريسها القانونية، فإيران هي – أولا وأخيرا، وبعيدا عن كل الشعارات – للإيرانيين، وليست لغيرهم بأي حال من الأحوال.



