حديث وبراهين “تاريخية وراهنة” عن الإنتصار الحتمي للقضية العربية الأحوازية ((القسم الثالث والأخير)) بقلم : عادل السويدي

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 

أما النموذج الثالث/ فهو مرتبط بالوضع الراهن…

 

نتسائل: كيف ينبغي فهم التغييرات المذهبية الحاصلة وتصاعدها منذ عقدين ـ تقريبا ـ عند الأحوازيين في اِطار الرؤية العربية الإسلامية؟

 

إن هذا النموذج هو الذي يتعلق بالمرحلة التاريخية الراهنة… إذ أننا نلحظ عواملها الموضوعية تتراكم وتنضج وتتعمق منذ مجيء المجرم (خ م ي ن ي) وصعود نجم نهجه الفارسي العنصري والصفوي الطائفي في السياسة الإيرانية: خامنئي، لاسيما ضد شعبنا العربي الأحوازي التي كانت أبرز وجوه ممارساته الطغيانية إرتكاب زمرته العسكرية بقيادة وزير دفاعه المجرم الجنرال أحمد مدني تلك المجزرة البشرية البشعة التي راح ضحيتها حوالي الخمسمائة شهيد وآلاف الجرحي والمعتقلين، ولو أمعنا النظر في الواقع الأحوازي القائم والراهن اليوم، سنجد على الصعيد الفكري الأيديولوجي بأن المذهب الشيعي الاثنى عشري ـ الواسع الانتشار قبيل مجيء خ م ي ن ي ـ بدأ يخفت صداه وأفعاله ومفاهيمه، ويتراجع على كل المستويات في الأحواز، خاصة، وفي بلاد فارس، بشكل عام، وذلك لأسباب كثيرة وطويلة، سأذكر البعض المهم منها هنا والتي تخصنا كأحوازيين في صراعنا القومي مع الفرس المحتلين.

 

إن العنصريين الفرس لم يكن لهم أي دور ثقافي أو حضاري مساهم في الحضارات البشرية بشكلٍ عام والتأثير الحاسم على تفكير شعبنا العربي الأحوازي، لقد كانت أدوارهم تبنى دائما على أساس الحقد والكراهية وسرقة جهود الآخرين ودياناتهم وثقافاتهم، لذا كان اليهود ـ الذين جلبوا الفرس من مناطق بعيدة في القفقاز.. جلبوهم كمرتزقة في حروبهم ضد العرب وأبناء المنطقة المشرقية وضد الحضارات الدينية والثقافية التي أقيمت في أرض العرب ـ لقد أقدم هؤلاء الفرس في أعقاب إستيطانهم وتوضعهم في المنطقة على وضع أساس كاذب من أسس الثقافة المسروقة من العرب والاخرين، وإدعوا بأنها تعود للرؤية والتكوين الفارسي، وهم الذين لم تتوطد جذورهم في المنطقة بعد كي يفرزوا حضارتهم الفكرية.

 

وكوّنوا لهم شخصية وهوية مزورة ليست للفرس لها أي صلة، إذ أن الرؤية الدينية المجوسية نقلوها من الهند، وسرعان ما بدأ هذا التناقض بين المضمون الفارغ، والشكل المصطنع، تتفاعل تناقضاته الموضوعية وتبان عوراته، وكانت عقدة النقص الفارسية ترى نواقصها بالعداء للعرب خصوصاً، والحقد عليهم، لأنهم هم أصحاب تلك الثقافة الحضارية المشعة، ولأن الفرس متخلفون حضارياً وثقافياً عن العرب، وأن كل ما تمَّتْ سرقته كان من إنتاج شخصيات علمية وأدبية وثقافية، كانت أصولها عربية الأرومة والثقافة أو إحداها وتم تزييفها يهودياً على أنهم من (عباقرة الفرس) (5)…

 

كل ذلك المزيج من التناقضات التي بدأت تبان حقيقتها بالبحث والنهوض العربي هنا وهناك، الأمر الذي بات يفقدهم صوابهم ومصداقيتهم على صعيد البحث العلمي الرصين، وكان هذا وغيره ايضا الكثير، هي البيئة الحاضنة للتطور الفكري، إذ بدأت كلها تتفاعل بالاتجاهات السلبية والتراجعية، وبدأ بوادر التفسخ الاجتماعي والاخلاقي والديني والثقافي والأصعدة الاخرى عندهم تتراجع، ومن ضمن الذين تأثروا وأثروا في هذا الامر هم الأحوازيون العرب الذين كانت تلك العوامل الفضائحية للفرس العنصريين والصفويين الطائفيين، قد كشفت توجهاتهم العنصرية، وبدأت تغذي صراعهم المرير الذي كانوا على الدوام يستثمروه من أجل حصولهم على إنضاج عوامل تحررهم والخلاص من ربقة الاحتلال الاستيطاني الفارسي.

 

لذلك فإننا بدأنا نشهد عوامل بروز التقدم العروبي الأحوازي كمجتمع، وتلمسنا عوامل التراجع والوحشية الفارسية الصفوية منذ بروز رمزهم الحديث أي منذ صعود “الههم الجديد الكسروي : خ م ي ن ي” في السياسة الإيرانية الحديثة والمعاصرة، ولحظنا ايضا اِستهداف ورفض أحوازي واسع لكل ما يمت للفرس من عقيدة وثقافة وتراث ومأكل ومشرب وغيرها، وبدأت طلائع أبناء الأحواز الواعين فكرياً وسياسياً (يطلـّقون) و(يعمّقون) الشروخات بينهم كـ(عرب) وبين عدوهم (الفارسي الغازي المحتل)، فتم أولا تغيير ولاءهم الفكري للمذهب (الاثنى عشري) والإلتزام بمفاهيم المذهب (السني) ـ كمرحلة اولى باتجاه التحرر السياسي والفكري الناجز ـ الذي بدا ايضا موضوعيا على أنه ـ أي المذهب السني ـ فيه رائحة الكفاح والمقاومة والعروبة، بالخصوص ما بدا من أبنائه وبشكل جلي وبشكلٍ واضح للأحوازيين جرّاء الغزو الامريكي ـ الايراني للعراق، والمقاومة الوطنية الشرسة والمضيئة التي أبداها أبناء مدن وعشائر الفلوجة والرمادي وعموم قصبات الأنبار (السنة) ضد الأعداء الأجانب، والسكوت المخزي بل المتعاون مع الغزاة التي ابداه ما يسمى بـ(الشيعة) وعلمائهم في ايران والعراق.

 

في حين أن الصفوية وقيادتها للمذهب الاثنى عشري قد عمدوا على تخديره ومهادنته، بل حتى تواطؤه مع الغزاة الصليبيين المتصهينين، لقد قذف فيه هؤلاء الفرس كل قاذوراتهم واقدموا على خطفه ـ أي التشيع ـ وتخريب سمعة المنتسبين اليه.

 

ثم بدأ ابناء الأحواز يحرقون المعباد الصفوية (المقامات) في ثمانيات وتسعينيات القرن العشرين، وأخذ هؤلاء الثوار (العروبيون) يستهزؤون بالعقائد الفارسية المدجّنة وزندقتهم ودجلهم وأفكارهم الخاوية، وبدأت الروح العروبية القتالية تنتشر وتتصاعد على نطاق واسع بين الأحوازيين، بفعل العامل الموضوعي الذي أشرنا اليه ضمن المحطات التاريخية النوعية الثلاث آنفة الذكر…

 

وعليه فإن الظروف التي نعيشها في هذه المرحلة من التاريخ الذي تزداد فيه الهمجية العنصرية الفارسية تؤكد بما لا يدع مجالا للشك لكل متابع حصيف بأننا على موعد مع التاريخ، وأن هذه المعطيات والبراهين الساطعة والملموسة التي يتلمسها عدونا قبل صديقنا، تبرهن بشكل قاطع ولا مجال لتغييبها، بأننا كأبناء وبنات هذا القطر العربي على موعد مع تباشير مرحلة التحرير ومع تحقيق مكتسبات الحرية والكرامة التي دأبنا عبر التاريخ ندفع باتجاه تبنيها والحصول عليها، وبالتالي المساهمة الحقيقية في البناء الحضاري الحر، ودون التدخل أو سيطرة الأجنبي على أرضنا ومقدراتنا وتفكيرنا واِطار أفقنا الواسع الذي لا يقبل بالحصار والتقفيص الفارسي…

 

وللتذكير فإن الغاية السياسية الأساسية في هذه المرحلة التاريخية الهامة ليست تغيير المذهب الديني، إنما تحقيق الَّذات المجتمعية المستقلة، هل قرأت النماذج الثلاثة التي اوضحتها اعلاه؟ انني اذهب الى ان تغيير المذهب عند الاحوازيين لم يؤدِ في أي مرحلة تاريخة الى (التطرف) أو الى (الطائفية) بل ستستقر الامور ويرجع للدين العربي الإسلامي الحنيف بهاؤه وصفاؤه بعد نيل الحرية في الأحواز…

 

والاساس الفكري والإيماني هو العروبة كهوية، وجوهره الحضاري هو: الاسلام.. لذلك لا خوف على ابناء وبنات الاحواز من التغيير المذهبي، فهذا حصل في المرحلة المشعشعية ايضا، وكانت العروبة والجوهر الاسلامي هما العاملان الحاسمان في الحرية الاحوازية… من هذا المنطلق فإن ما يجري منذ اكثر من 34 عاماً هو عامل وطني يغذي حريتنا ويقرب المسافات بين العروبة والاسلام، ويقلص الازدواجية بينهما… لذلك فان ما يحصل هو عامل وطني وقومي حضاري في الشأن الأحوازي…

 

ولكن المراقب لهذه الظاهرة المجتمعية يكتشف أن التغيير المذهبي عند الطبقة المثقفة في بدايتها، وهذه الطبقة كانت ومازالت مشبعة بالخطاب القومي العروبي، ولم تتخذ من التغيير المذهبي رافعة للقفز على الواقع الأحوازي التاريخي والمجتمعي.

 

ولبقايا العامل الموضوعي الذي شرحته في النماذج الثلاثة أعلاه.. فلكل نموذج بقايا سلبية تندثر مع الزمان، أو أنه سيباشر التأثير التراجع والإضمحلال في أذهان وعقول الأغلبية رويداً رويداً…

 

نقطة هامة كإستنتاج لما سبق لابد من الوقوف عندها، فنقول:

 

إن أية عملية وطنية وقومية تحررية لأي جزء من أجزاء الوطن العربي المبتلى بالإحتلال الأجنبي والنجاح في طرد الغزاة المحتلين، ينبغي أن تتوفر لها شروط عديدة من بينها ـ بل أساساً ـ الإرادة الوطنية الراسخة الحرة لطليعة الشعب والجماهير الواسعة التي تغذي وعيها السياسي التحرري من عمليات الإضطهاد العنصري الأجنبي، وهو ما أفضنا بالتطرق إليه في ما كتبنا أعلاه.

 

 

 

أما الإشتراط الثاني فهو العامل الجغرافي إنطلاقاً من الفهم الصحيح لعلاقة الكل بالجزء، وإحتمالية تبادلهما المخاطر الإحتلالية: المباشرة أو غير المباشرة، الأمر الذي يجعل من تعاضدهما في الموقف وتحمل الأثمان السياسية الباهضة ضرورة مفروضة وليست مطلوبة فقط، وهو ما يجعل العروبة مقاتلة مصارعة، والتكوين الإجتماعي الذي يعيش فوق هذه الجغرافية متواشج في التطلعات والأماني، وتحدد فعله السياسي واليومي عملية التضامن الكفاحي المستمر، وتعي قيادة الجوار القومي السياسي فداحة الثمن السياسي المطلوب والتضحيات التي قد يجري تقديمه.

 

 

 

وعلى هذا الصعيد نستحضر مثالين سياسيين على هذا الإتجاه التحرري،

 

الأول :

 

هو المثال الفيتنامي الشمالي عندما وضعت قيادتها: الحزب العمالي الفيتنامي وقيادة هوشي منة، جغرافيته الوطنية في سبيل تحقيق الهدف القومي بتحرير فيتنام الجنوبية المحتلة من قبل الفرنسيين أولاً، والأمريكيين تالياً، وتحملت كل نتائج الحملات العدوانية العسكرية لجيشيهما، وجرى تحرير الوطن الفيتنامي بعد تقديم الأرواح والعرق والدم وتحمل آثام الدمار الناتج عن القصف للمستعمرين الإمبرياليين الغربيين.

 

 

 

أما المثال الثاني

 

فنستمده من التجربة اليمنية عندما شكل الشمال: الجمهورية العربية اليمنية، والرؤية القومية العربية الحديثة بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر، القاعدة التموينية والعسكرية لثوار الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني المحتل التي إنتهت بطرد الغزاة البريطانيين المحتلين في الأعوام الأخيرة من عقد ستينات القرن الماضي، وفي كلتا التجربتين كان إرادة الثوار الصلبة عصية على المساومة والرشوة والإتجار بدماء الشعب.

 

 

 

وإنطلاقاً من كل ما تقدم، إننا نقول إنَّ العراق الوطني المتحرر من سطوة القوى الأجنبية هو الموقع الجغرافي المعول عليه في تسهل عوامل نجاحنا في تحرير وطننا الأحوازي من الإحتلال الفارسي العنصري البغيض، وهو القاعدة العسكرية التحررية التي تشكل الساتر الدفاعي لمليات الإنسحاب والتواري والتفدم في الإشتباك اليومي، فالعراق الوطني المتحرر القابض على جمرة المباديء القومية والدفاع عن عروبة الأرض في إطار الحضارة العربية الإسلامية هو الذي سيشكل العمق الإستراتيجي لفعالية وفعل إرادة الصراع المستمر عند المعبرين عن القضية الوطنية الأحوازية الذين لا يعرفون منطق المساومة ولا يعترفون بأنصاف الحلول السياسية، إذ أن أي انتصار للقضية الوطنية الأحوازية يجب ان ترتكز على البعد الاستراتيجي للقضية الأحوازية، العمق الجغرافي والقومي والحضاري، اي أن يكون العراق وطني وتحكمه قوى عربية ووطنية بشكل أساسي، ثم أن أنظمة الخليج العربي ينبغي أنْ تحكمها قوى عربية مخلصة لعروبتها ولدينها، ومن ثم أن تكون الأمة العربية في وضعها السياسي المستقل والمستقر من أجل مواصلة الصراع مع الفرس المحتلين، ودون توفر تلك العوامل الوطنية والقومية ستتأخر عمليات الإنجاز التاريخي التحرري ولو لفترات قد يطول أجلها، ولكن الإتجاه العام للتطورات السياسية محكوم بقوانين تحرر الشعوب من ربقة إستبداد المحتلين وينبغي لنا حسن ودراية خوض معارك الصراع القومي من أجل الذات السياسية : الوطنية والقومية.

 

نعم اننا على موعد مع التاريخ، والصبح بقريب.

 

 

 

المصادر :

 

1 : كتاب الأحواز : تاريخها ـ ولاتها ـ علماؤها ـ أدباؤها، لمؤلفه د. صالح أحمد العلي ص 97.

 

2 : المصدر نفسه.

 

3 : نفس المصدر.

 

4 : تاريخ المشعشعين/11، مؤسس الدولة المشعشعية/55، قضايا عربية معاصرة/249.

 

5 : تاريخ المشعشعين/15، مؤسس الدولة المشعشعية/56، إمارة المشعشين/120.

 

6 : مختصر تاريخ البصرة/124، العرب والعراق/159، قضايا عربية معاصرة/150.

 

7 : إمارة المشعشعين/74، قضايا عربية معاصرة/151.

 

8 : إمارة المشعشعين/197، 236.

 

9 : مجالس المؤمنين 2/401، تاريخ المشعشعين/87، إمارة المشعشعين/81.

 

10 : مختصر تاريخ البصرة/124.

 

11 : لغة العرب 6/199.

 

12 : التاريخ السياسي لإمارة عربستان/50.

 

13 : أربعة قرون من تاريخ العراق/41.

 

14 : [راجع كتاب شاعر الأحواز القومي الأمير علي بن خلف الحويزي، والمعنون دراسة في حياته السياسية وشعره وتحقيق ديوانه “خير أنيس لخير جليس”، تحقيق الدكتور عبد الرحمن كريم اللامي، إصدار الدار العربية للموسوعات، بيروت/لبنان، ص 17 ـ 20].

 

23 – 11 – 2013

 

Exit mobile version