ريحانه باي ذنب قٌتلت بقلم: عبدالهادي الخلاقي
منذ أن تم هزيمة النظام الملكي الإيراني الذي كان يتولاه الشاه محمد بهلوي بعد نجاح الثورة الاسلامية سنة 1979م قام بها معظم الشعب الايراني سنة وشيعة وبهائيين واقليات أخرى كان الاتفاق بين هذه القوى الثورية أن تحكم الجمهورية الإيرانية من قبل نظام إسلامي يتشارك فيه كافة مكونات الشعب الإيراني بمختلف اطيافهم واعراقهم وانتماءاتهم الفكرية والدينية، ولكن وبعد أن استتب الحكم للمرشد الأعلى للثورة الخمينية آنذاك ما لبث أن انقلب على اعوانه من أهل السنة من علماء دين وقادة عسكريين ونشطاء سياسيين ثوريين، وزج بهم في السجون وغدر بالكثير منهم بل وأنشأ دستور إيراني ينص في مواده على طائفية النظام الحاكم، فقد نصت المادة الثانية عشرة على أن نظام الحكم في إيران اسلامي شيعي المذهب وأن يكون الرئيس إيراني شيعي ينتمي إلى المذهب الاثنا عشري ولم يقف الأمر عند ذلك الحد بل دمر المساجد والمدارس وحول المدن والمحافظات السنية إلى اطلال وجعلها قرى نائية تفتقر إلى الخدمات ومقومات الحياة الأساسية وحرم أهل السنة من ممارسة كثير من المهن كالتدريس والمهن المتعلقة بالديانة والقضاء وحرموا كذلك من شغل مناصب تنفيذية أو قيادية وحرموا من أن يكون لهم تمثيل رسمي في أجهزة الدولة في المدن التي يشكلون فيها اغلبية سكانية، علماً بأن أهل السنة في إيران يشكلون قرابة 18الى19 مليون نسمة من مختلف الأعراق؛ عرب، بلوش، اكراد، تركمان، من أصل 76 مليون نسمة إيراني، مع ذلك يروج الاعلام الإيراني بأن عدد أهل السنة في إيران لا يزيد عن نسبة 8% من سكان إيران وهذا تظليل للحقائق وتهميش حق اهل السنة في بلد يدعي الإسلام.
قمع وظلم اهل السنة في ايران يستمر ويزداد وحشيته ففي الأيام القليلة الماضية تم تنفيذ حكم الإعدام بحق الشابة الإيرانية “ريحانه جباري” ذات الـ 26 ربيعاً من أهل السنية في الاحواز المحتلة، ولكن ريحانه لم يكن لها نشاط سياسي مناهض لنظام الحكم أو تنتقد سياسة طهران التعسفية بحق الاحوازيين وإنما تعود قضية “ريحانه” لعام 2007 عندما حاول أحد ضباط الاستخبارات اغتصابها فقاومته وضربته على راسه فأردته قتيلاً وكانت تبلغ من العمر حينها 19 عاماً، ريحانه كانت تأمل بأن ينصفها القضاء الإيراني ولكن ليس كل ما يتمنى المرء يدركه فلم تنفع صيحات والدتها الثكلى على فراق ابنتها التي اُعدمت تعسفاً، وكل ما يشفع لها هو شرفها الذي حاولت الحفاظ عليه من الانتهاك لتدفع حياتها ثمناً لذلك. مشكلة “ريحانة” إنها وجدت في بلد لا يعترف بالعدالة والمساواة ولا يعترف بحق الأعراق والمذاهب التي تخالف المذهب الشيعي وإنما هناك حق يعلو ويُقدم على الجميع وهو حق الإيراني “الاري” الشيعي وما دون ذلك فلا حصانة أو امتيازات للأخرين وهذه حقائق لا يدركها إلا من عاش في طهران وتجرع أنواع المرارة على أيدي الاريين، نعم ريحانه ارتكبت جريمة قتل ولكن هذا الفعل كان نتيجة دفاعية عن النفس وهذا لا يوجب الإعدام وإنما تسجن لمدة ثم يطلق سراحها هذا في حالة إن كان هناك قضاء نزيه وعادل وغير طائفي ولكن ريحانة تُعاقب نيابة عن اخوانها الاحوازيين لجرم لم يرتكبوه سوى أنهم ينتمون إلى المذهب السُني ويحكمهم نظام طائفي دكتاتوري، ينص القانون الإيراني أن السني يحكم عليه بالقتل إذا ما قتل شيعياً مهما كانت المبررات، هذه العنصرية لا توجد في أي ملة أخرى ولا تُطبق ضد المسلمين من قبل أي ديانة أخرى بل إن كل الاديان في العالم تراعي ألا يظلم أحد يخالفهم في الديانة حتى لا يسيئوا الى معتقدهم.
التمييز الطائفي وانتهاك حقوق الإنسان في إيران تعتبر الاشد في منطقة الشرق الأوسط ففي تقرير الولايات المتحدة الأمريكية الأخير المتعلق بحرية الأديان حول العالم؛ ورد فيه بأن أهل السنة في إيران لا يُسمح بترشحهم لمناصب قيادية أو وظائف عسكري فالسلطات الإيرانية تمارس تهميش ممنهج بحق أهل السنة وتحرمهم من ممارسة حقوقهم الأساسية بحرية وشفافية وتفرض عليهم قوانين قسرية تضيق الحريات وتمنع كل من يخالف أو يعترض نظام الحكم في البلاد.
المنظمات الحقوقية استنكرت ومنها منظمة العفو الدولية الحكم واصفةً اياه بعدم الإنصاف بينما أصرت الحكومة الإيرانية على تنفيذ حكم الإعدام، ولكن هل هذا الاستنكار يوقف الظلم الممنهج الذي يمارسه النظام الايراني ضد الشعب الاحوازي تحديداً ؟! الكل يتقرب من النظام الإيراني ويخطب وده ويعقد معه الصفقات ويمهد له الطريق في التوسع في الدول العربية ويمول أنظمة وجماعات إرهابية بالسلاح والمال وبالدعم للوجستي والمعنوي، بينما لا أحد يتحدث عن انتهاكات حقوق الانسان التي تعتبر إيران الدولة الأولى في مصادرة حق الحياة من الشعب الاحوازي، وأكبر دولة ينتهك فيها حق الانسان بحرية التعبير.
إن الإيرانيين السنة يواجهون انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، على الرغم من وعود الرئيس روحاني العديدة باحترام حقوق الإنسان في أعقاب فوزه الانتخابي في 14 يونيو/حزيران 2013 ولكن وإن تغيرت صورة الرئيس إلا أن النظام الطائفي والقمع للنشطاء السياسيين وانتهاك حقوق الانسان لن تتغير مهما أطلقت من وعود جوفاء في ظل صمت مدقع من قبل منظمات حقوق الانسان الدولية ومجلس الأمن الدولي الذي يكتفي بإصدار تقارير دون اتخاذ أي فعل رادع يحمي الإيرانيين ويحفظ كرامتهم.



