مقالات

واجتاحني حب كارون( الحلقة الرابعة عشرة ) فؤاد سلسبيل – أبورسالة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

إصطحبني الشهيد ( الحجي ) ، إلى بيت المناضل الكبير المرحوم السيد ( هاشم النزاري ) ، ذو المواقف المشرفة والعربي المسلم الأصيل الذي كان لا يساوم أحدعلى عروبته وعروبة الأحواز وطنه المحتل من قبل ايران.

 

حينما التقى ( الحجي ) به ، كان اللقاء يتسم بالحرارة والجدية، وعرفت فيما بعد بأن هذا اللقاء لم يكن هو اللقاء الأول بينهما، خصوصا عندما رأيت الإبتسامات كيف إنها ارتسمت على شفتيهما ترحيبا ببعضهما البعض ، عندها قبلت يد السيد ( هاشم النزاري ) كعادتي ، لأننا كنا نتعامل معه على أساس إنه عمنا الكبير كلنا ، وكنا جميعا نحترمه احتراما كبيرا ، وإنه كان من الشخصيات الاحوازية المناضلة التي تستحق الاحترام من الجميع دون استثناء ، خاصة من أولئك الذين يعرفون مَن هي هذه الشخصية ، وماهي مواقفها العروبية والإسلامية وحبها للوطن وما هو موقفها من المحتلين الفرس.

 

فقبلني السيد ( هاشم نزاري )، وقال لي:

 

هل تعرف الحجي؟

 

فورا أجاب ( الحجي ) قبل أن اجيبه أنا:

 

نعم يا سيد هو يعرفني وإنه من أبناء الوطن المخلصين ومن الذين انتقيناهم للعمل معنا.

 

عند ذلك عرفت ، بأن هناك تنسيق وعمل سري بين الأثنين ، وكان الشهيد ( الحجي ) ، يستفيد من خبرات السيد ( هاشم النزاري ) المتعددة في مجال العلم والسياسة ، وكان يستشيره في كثير من الأمور قبل القيام بها ، حيث كان يقصده كثيرا ، وكانا يجلسان في جلسات سرية بينهما حسبما عرفته فيما بعد، رغم ان الشهيد الحجي كان أصغر بقليل من السيد فتاح الإبن البكر للسيد هاشم النزاري سنا، لكن النزاري كان يحترم عمل الانسان بغض النظر عن كبر أو صغر سنه، وهذا ما يجب على كبار القوم الأحوازيين أن يفعلوه مع شبابهم ويحترمونهم ويحترمون عملهم ونضالهم ومعرفتهم وثقافتهم لا أن يهملوهم استنكافا منهم لأنهم أصغر سنا ولأنهم أجدر وأثقف وأكثر عطاءً منهم.

 

بعد ذلك اللقاء وعندما استأذن ( الحجي ) السيد بالخروج قال له النزاري:

 

كلا، اليوم تتناولون الغداء معي:

 

قبِلَ ( الحجي ) الدعوة  فتناولنا وجبة الغداء معا ، فكانت مائدة تراثية خاصة بجنوب الأحواز، خصوصا أهالي ( المحمرة وعبادان ) الأحوازيتين ومدينة ( البصرة العراقية ) كذلك أغلب أهالي دول الخليج العربي ، وهي مائدة السمك المعروف بالصبور المشوي في التنور ، وهو نوع من الأسماك البحرية التي تعيش في البحر والخليج العربي وبعض الأنهر القريبة من البحر عادة مثل: شط العرب ونهر كارون ونهر السليج ، فهذا النوع من السمك يأكله الأهالي في المناطق المذكورة مع التمن ( الرز ) ، الذي يضيفون عليه أحيانا الباقلاء ( الفول ) الخضراء صغيرة الحجم أو اليابسة المقشّرة مع الشبنت.

 

خلال التوديع وقبل الخروج من البيت سلّم سيد ( هاشم ) إلى ( الحجي ) ورقة بيضاء كبيرة مطوية  ومن ثم سلمه فايل كبير أزرق فيه عدة أوراق لا أعرف ماذا كانت تحتوي ، وهمس ( الحجي ) في أذن السيد همسة صغيرة، وردّ عليه ( النزاري ) قائلا:

 

تريث وسأتناقش معك بهذا الأمر لاحقا إن شاء الله.

 

إلى هذا اليوم لا أعرف ما هو الأمر الذي كانا يتحدثان حوله والذي كان يستحق كل تلك السرّية ، فقط إني عرفت بعد ذلك ان الورقة المطوية كانت عبارة عن خارطة الأحواز مرسومة يدويا وليست مطبوعة، وكانت أسماء المدن فيها كلها مكتوبة بالأسماء العربية التاريخية المعروفة بها قبل تحميل سياسة التفريس علينا من قبل المحتلين وتبديل هذه الأسماء إلى أسماء فارسية لا تمت إلى مدننا بأي صلة تاريخية ،  وكان علم الثورة الأحوازية مرسوم في الاعلى، وهو العلم ذو الألوان الحمراء والبيضاء والسوداء ، وأما النجمة الخماسية التي تتوسط العلم فهي خضراء مؤطرة بدائرة  ( مقسمة إلى ثلاث أقسام )  كل قسم منها مرسوم على شكل هلال وليست دائرة مغلقة، هذا مارأيته في هذه الورقة الكبيرة ، ولكنني رأيت فيما بعد سواءً حين كنت في العراق أو في المهجر بأنّ دائرة العلم مغلقة كليا وهو العلم الذي يؤمن به جميع أبناء شعبنا.

 

وأما الفايل فعرفت فيما بعد إنه كان عبارة عن نظام داخلي جاهز مع تقرير سياسي للإستفادة منه في المستقبل ، هذا ما قاله لي الشهيد ( الحجي )  لكنه حجب عني الاطلاع على فقراته.

 

نعم هذا ما لم تعرفه عزيزي القارئ الكريم عن هذه الشخصية الوطنية الأحوازية التي كانت تعمل لوطنها خلف الستار، ولم يكن صاحبها يبحث عن الشهرة أو التفاخر، ورحل ولم يعرف أحدٌ عن عمله السياسي إلا القلة القلية ، رغم إنه أعطى لهذا الوطن ما كان باستطاعته بدون أي تبجح ،  وأعني به المواطن الأحوازي والعروبي المناضل الكبير المرحوم السيد ( هاشم النزاري ) ، والذي لم يتوقف عن العطاء إلاّ بعد أن لبّى نداء ربه سبحانه وتعالى ورحل وهو مرتاح الضمير رحمه الله  تجاه وطنه وشعبه وسلّم الأمانة لنا ولكم يا أبناء هذا الجيل الثائر.

 

اننا عندما نستذكر هذه الشخصيات والاحداث نريد منكم يا شبابنا ويا مستقبل وطننا أن تجعلوا من هذه الشخصيات مثلا أعلى لبناء شخصيتكم النضالية وعملكم ونضالكم، وأن تتعلموا منها التواضع والتفاني والعمل دون تبجح ولفت الأنظار إليكم ، وأن تعملوا وتضحوا دون منّةٍ على وطنكم وشعبكم وأن تجعلوا أعمالكم وإنجازاتكم الوطنية هي التي تتكلم عنكم بفخر واعتزاز، وأن تضعوا أيديكم بيد بقية أخوانكم المناضلين، وأن تعترفوا بنضال وعطاء وتضحيات الذين سبقوكم وأن تكتبوا عنهم وعن أعمالهم لأن التأريخ أمانة وعليكم أن تحافظوا على هذه الأمانة ، وفي المقابل عليهم هم أيضا أن يحترمونكم ويحترمون تضحياتكم وطرقكم في مقاومة الاحتلال الفارسي ، لأن اليوم الذي تعيشونه ليس ذلك اليوم الذي هم عاشوا فيه،  والتطور العلمي والتنكنولوجي الحاصل اليوم، ليس العلم الذي كان في زمانهم و تكنولوجيا اليوم ليست تكنولوجيا الأمس ، وعليهم أن يحترموا زمانكم وأهله ، لأنهم هم الأعرف بزمانهم.

 

وعليكم أن لا تسكتوا عن أي خطأ يصدر من أي إنسان حتى وان سبقكم في النضال ولا تخافوا سنّه ونضاله ووطنيته وتضحياته للوطن، أو تتهيبونه لأنه مناضل كبير ولا يجب التعرض اليه وتعطونه هالة قدسية، هذا خطأ فادح، لكن عندما تريدون أن تنبهوه عليكم أن تنبهوه بطريقة مهذبة واحترام وتقدير له من خلال قنوات خاصة بعيدة عن التعميم وعن التشهير، وتدلونه على الخطأ الذي صدر منه لأن هذا الخطأ لا سامح الله لا يليق به وبسمعته وتاريخه النضالي، وفي المقابل عليه أن يشكركم ويبارك لكم هذه الروح الوطنية وهذه الاخلاق الثورية، لا أ ن يتطير من ذلك على أساس إنكم أصغر سنا منه ، لأنه إذا ما بدر منه ذلك وفكّر بهذه الطريقة البدائية فإنه يعني ليس بمناضل ويعوزه التنازل عن الانانية التي لا نريدها للمناضلين الكبار ، لأن على المناضلين الكبار سنا أن يعلموا بأن الإنسان مهما وصل فانه مازال لم يصل الى ما وصل اليه المتواضعون ، لذا عليهم أن يتواضعوا ويعلموا أبناءهم على ذلك ، لأن أكبر الغرور والتكبر للمناضلين وأصحاب السمعة والتاريخ المشرف هو التواضع ثم التواضع.

 

وعليكم أيضا ايها الشباب أن تحثوهم أي المناضلين الذين يكبرونكم سنا على أن يكونوا بمستوى المسؤولية الوطنية وأن لا يبخلوا عليكم بتجاربهم والدروس التي تعلموها من خلال مسيرتهم النضالية الطويلة ، وأن يبتعدوا عن كل ما يضر بقضيتنا ويسئ إلى سمعتهم وتاريخهم النضالي.

 

واخيرا، بارك الله بهمتكم أيها الشباب وأنتم تدافعون عن وطنكم بكل وسيلة أتيحت لكم ، وأعلموا أن كل فعل تقومون به حتى وإن كان فعلا صغيرا في نظركم فهو في نظر شعبكم والآخرين فعل كبير يستحق كل التقدير ، لأنّ بهذا الفعل تتمكنون من أن تخدموا وطنكم بشئ يساعد على التحرير.

 

وفقكم الله جميعا والى حلقة قادمة باذن الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

ملاحظة:

 

من أجل تزويدنا بمعلومات، أو تصحيح معلومة، أو تزويدنا بأسماء الشهداء أو بقية المناضلين الذين لربما ننساها ولا نذكرها مع الأسماء التي نذكرها في الحلقات، أو من أجل أي استفسار تودون أن تستفسروه منا، يرجى التواصل معنا عبر الأيميل التالي:

 

[email protected]

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى