الحرب النفسية الإيرانية وتأثيرها على نضال الأحواز ” الجزء الثاني” دراسة : إبراهيم مهدي الفاخر
استكمالا لدراسة الباحث ” إبراهيم مهدي الفاخر ” الخاصة بالحرب النفسية الإيرانية وتأثيرها على نضال الأحواز :
سابعا- المقاومة الأحوازية للحرب النفسية
أ -عدم الاستهانة بالأخباروالمغالطات و “المعلومات” وتبسيطها
ب –رفض القوالب الجاهزة والأحكام المسبقة على الأخبار و”المعلومات” والأحداث
ج –الابتعاد عن الدعاية والأخبار الكاذبة وعدم الاستسلام لها
د –الثبات والوضوح في الأحكام والثقة بالخلفية الوطنية والعقائدية
هــ -التمسك بمرجعية فكرية وعقائدية واضحة
و–تجنب الربط الخاطئ بين الصفات أو بين الأحداث
ز –الانتباه واليقظة، والتشكيك في مرامي وأهداف الخصم وتحليلها
ح –تجنب ومقاطعة قوى التشكيك والاتهام في الساحة السياسية والمجتمع
ط –التماسك التنظيمي ووحدة الأفكار والايدلوجيا (25).
ي –تغليب المصلحة الوطنية على المصالح الجهوية والمصالح الضيقة.
ك –عدم تحويل التنافس التنظيمي والسياسي إلى صراع.
ل –التركيز على العدو التاريخي.
ثامنا-مواجهة الحرب النفسية
أ – الحرب النفسية الوقائية:يعني أن دولة أو جهة معينة تتوقع حربا نفسيا يشنها العدو ضدها، لذلك تقوم بإعداد خطة مسبقة من أجل مواجهة الحرب النفسية القادمة. وإنها تمثل البعد السيكولوجي لسياسة الأمن القومي والوطني وتقوم على التثقيف السياسي المكثف وتعميق الكراهية والبغضاء للعدو. وفي هذا النوع من الحرب يعتمد على مبدأ “الوقاية خير من العلاج” وتستخدم أداة التثقيف السياسي،ويتم التركيز على التحصين الذاتي للمواطن تجاه الحرب النفسية المعادية(26).
ب – الحرب النفسية المضادة: كل فعل أو هجوم لابد أن نتوقع له ردة فعل وهجوم معاكس، والهجوم العكسي لابد أن يخضع للترتيبات اللازمة والتخطيط الأساسي من أجل أن يُكتب له النجاح(27).
تاسعا-جوانب من الحرب النفسية الإيرانية ضد العرب والمسلمين
أ -التهديدات الإيرانية في احتلال العراق ومنطقة الخليج العربي: منذ وصول خميني والطبقة الثيوقراطية للحكم في إيران بدأت الحرب النفسية بشكل تصريحات وتهديدات إيرانية لاحتلال العراق ومنطقة الخليج العربي ومن أهم التهديدات بشن (هجوم نصف المليون والمليون) (28). من أجل بث الرعب والخوف عند الخصم وزعزعة ثقته بنفسه، وإثارة التمرد والتحدي لدىالقوة الموالية لها.
ب –اغتيال عبد الرحمن قاسملو زعيم حزب الديمقراطي الكردستاني: اغتالت المخابرات الإيرانية زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني د. عبد الرحمن قاسملو واثنين من مساعديه في تاريخ 13 تموز 1989 م في مدينة فينا عاصمة النمسا، وذلك بعدما أعدت المخابرات الإيرانية فخا لهم بحجة التفاوض معهم لإعطاء حقوق الشعب الكوردي في “إيران”(29).هذا السلوك الغادر يكشف الفرس وطريقة تعاطيهم مع الخصم واستخدامهم الغدر والخيانة والمكرفي سبيل تحقيق مآربهم حتى مع من يتفاوضون معهم أو يمنحونهم الأمان.
ج -أسر عبد الملك ريغي زعيم حركة جند الله “البلوشية”: أسرت المخابرات الإيرانية زعيم حركة جند الله “حركة المقاومة الشعبية” عبد الملك ريغيثم أعدمته. وحسب الرواية الإيرانية الرسمية تم اعتقاله في فبراير عام 2010 م على متن طائرة تقله من دبي إلى قرغيزيا (قرغيزستان) في عملية نوعية ولتساعدها أي جهة من الجهات الإقليمية أوالدولية (30).
“فقد قال وزير الاستخبارات الإيراني محمد مصلحي لوسائل الإعلام الإيرانيةفي مؤتمر صحافي أمس: إن الرجل الأول الذي تطارده إيران منذ سنواتاعتقل «بعد اعتراض طائرة كانت تقله من دبي إلى قرغيزستان». وأكدمصلحي أن توقيف ريغي جاء نتيجة «عملية استخبارات استمرت خمسةأشهر» وقامت بها إيران «بدون أي مساعدة من دول أخرى»” (31).
واتهمت إيران الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وإسرائيل ودولتين عربيتين في دعم حركة جند الله “حركة المقاومة الشعبية”(32). لكن الرواية البلوشية على لسان الناطق باسم حركة جند الله ناروني البلوشي لـ “الشرق الأوسط” “إنريغي اعتقل ليلا في منزل بمدينة قندهار الأفغانية عبر تعاون مشترك بينالقوات الأميركية والسلطات الأفغانية”(33) وبعدها تم تسليمه إلى إيران.
وقالت مصادر مقربة من تنظيم جند الله لـ«لشرق الأوسط»: إن ريغي «اعتقل بسبب خيانة تعرض لها»، وأوضحت المصادر «أن أجهزة الاستخبارات في دول مجاورة ضالعة في عملية الاعتقال»( 34).
بغض النظر عن ملابسات أسر زعيم حركة جند الله والجهات الضالعة في أسره، حاول النظام الفارسي أن يظهر العملية بشكل بطولي واستعراضي ويضخمها إعلاميا وسياسيا للتأثير النفسي على المقاومة البلوشية والمقاومات الأخرى التي تناضل ضده.
د -إشاعة فتوى “جهاد المناكحة”: ألصقت وسائل الاعلام التابعة لإيران ولحلفها الطائفي، فرية (جهاد المناكحة أو فتوى زواج المناكحة) وألصقتها بفضيلة الشيخ الداعية محمد العريفي. وذلك حين ما نقلت قناة جديد التابعة للحلف الطائفي “المقاومة والممانعة” في المنطقة “إصداره فتوى بزواج المناكحةللمجاهدين في سوريا، تبيح لهم الزواج لأجل محدود بساعات، لإفساح المجاللآخرين، ومن فتيات في سن” 14″ عاماً، وأن ذلك من موجبات دخول الجنة لمنتجاهد به”(35) وقد لحق هذه الفرية والإشاعة حشد إعلامي واسع من قبل الحلف الطائفي لترويجها باسم فضيلة الشيخ الداعية محمد العريفي. ولكن فضيلة الشيخ الداعية محمد العريفي نفى أي صلة له بهذه الإشاعة (جهاد المناكحة) واعتبرها فرية وكذبة(36).
وفي تفاصيل هذا الحدث، “قال نعمان بن عثمان خبير معهد كويليام بلندن فياتصال مع “العربية”، إن المخابرات الإيرانية هي من روّج إشاعة جهاد النكاحفي سياق الصراع الطائفي الحاصل في سوريا، والهدف هو الدفاع عن نظامالأسد، من خلال إلصاق تهم بالجهاديين الذين يتبنون الفكر السلفي عموما”(37). وفي ذات السياق روّج لإشاعات وافتراءات عن وجود تونسيات يمارسن “جهاد المناكحة” في سوريا ولكن تبين فيما بعد إنها مجرد افتراءات وأكاذيب بغية تشويه سمعة علماء المسلمين وسمعة الثوار في سوريا. و “أوضحتمراسلة “العربية”، علياء ابراهيم، التي زارت تونس للتحقيق في إشاعة زواجالنكاح، أنها التقت وزير المرأة في الحكومة التونسية، سهام بادي، لكنها نفتوجود شيء يثبت وجود هذه الظاهرة”(38). هذه الإشاعة هدفها الأول ضرب علماء المسلمين والطبقة الدينية وتشويه صورتهم أمام الأمة الإسلامية، بسبب الدور المحوري الذي يلعبونه في الثورة السورية ضد نظام الأسد. وهدفها الثاني استهداف التيار الإسلامي برمته وتشويه سمعته من أجل تحييد كل الأطراف التي لا تؤمن بمشروع الدولة الإسلامية وتجييشها ضد هذا التيار أوعلى أقل تقدير تحييدها في هذا الصراع الدموي الدائر بين الفرس وأذنابهموبين العرب والمسلمين، وهدفها الثالث تشويه عقيدة أهل السنة والجماعة والنيل منها مذهبيا وسياسيا ونفسيا.
عاشرا -الدروس من الأحداث المؤلمة
إن جميع الأحداث المؤلمة التي وقعت بحق الشعوب غير الفارسية أو حدثت بحقالشعوب العربية والمسلمة والتي تقع ضمن إطار الحرب النفسية الإيرانية ضد الخصوم، يجب الاستفادة منها وأخذ الدروس والعبر منها. تحاول المخابرات الإيرانية دائما توظيف القضايا العقدية والأخلاقية لاستهداف الضحية والنيل منها. كما إنها لا تدخر جهدا لتلفيق تهم للضحية (المقاومة والمقاومين)وربطها بالمخابرات الإقليمية والدولية وعلى رأسها المخابرات الإسرائيليةوالأمريكية والبريطانية من أجل أن تشوه صورة الضحية وتشوه مطالباتها،ولتنال منها بأقل خسائر ممكنة. ولم تقف الحرب النفسية الإيرانية عند هذاالحد وإنما دائما ما تأخذ المخابرات الإيرانية اعترافات وإدانات وتصريحاتومواقف -تحت الضغط -من زعماء محليين وشخصيات مرموقة ومعادية للنظام الفارسي، لتجريد الخصم أي التنظيمات وقادتها من الغطاء السياسيوالاجتماعي الذي يتمتع به. كل عمليات الاغتيال والتصفيات والخطفوالإشاعات والتشهير تأتي ضمن سلسلة متكاملة من الحرب النفسية التيتشنها إيران ضد خصومها. من خلال هذه الأحداث والوقائع العينية يمكنللطبقة السياسية الأحوازية والتنظيمات الأحوازية استلهام العبر والدروسالتالية:
أ -لا تأمن المخابرات الإيرانية وغدرها وعلاقاتها السياسية، ويجب أن تأخذالحيطة والحذر في تنقلاتها وارتباطاتها حتى أثناء ارتباطها وتنقلاتها معجهات صديقة تتفق معها في الأهداف والمصالح.
ب -إن وقوع الغدر والخيانة احتمال وارد، لذلك عند تنقلاتها وحياتها اليومية تأخذ الجانب الأمني بعين الاعتبار.
ج -الامتناع عن تشكيل وفود تضم كافة قيادات الصف الأول للتنظيم فيسفرها وتنقلاتها، لتحاشي وقوع جميع القيادة في فخ المخابرات الفارسية.
د -يجب ألا يلمّ القادة في التنظيم -أي كانوا -بكل الأسرار والتفاصيل الأمنيةوالسياسية للتنظيم، بهذه الطريقة وعند سقوط أحد القادة في فخ المخابراتيمكن تحاشي الكثير من الخسائر.
هـ -التهيئة نفسيا ومعنويا لاحتمال أسر بعض القيادات وظهورها-بالإكراه-علىالشاشات الفضائية وادلائها بمعلومات ضد القضية الأحوازية وضد تنظيماتها.
و -انتظار المرحلة التي تقع فيها اغتيالات وتصفيات جسدية والاستعدادالنفسي لها.
ز -الاستعداد لمرحلة التضييق سياسيا وأمنيا في المهجر عند الدول المضيفة.
خاتمة
تعتبر الحرب النفسية ظاهرة قديمة قدم الإنسان من حيث الممارسة والتطبيق ولكنها تعتبر حديثة من حيث التنظير والتأصيل. الحرب النفسية غايتها الأساسية هي استهداف الذات القومية والوطنية وزعزعة الثقة بها وتحطيمها. وفي هذه الحرب تستخدم جميع الوسائل الممكنة في سبيل الوصول إلى ما ترنو اليه الجهة المنفذة. إيران في حربها النفسية ضد الشعب العربي الأحوازي لم تستثن وسيلة مجدية إلا واستخدمتها في سبيل النيل منه والقضاء على قضيته العادلة. أخذت الحرب النفسية الإيرانية منحنيات عدة ضد الأحوازيين تارة تأخذ الاغتيالات والاعتقالات وسيلة لتكميم الأفواه والقضاء على المناضلين،وتارة تتخذ من بث الدعاية ونشر الوهن والإحباط في نفوس المواطنين وسيلة للنيل من الشعب وطبقته السياسية، وتارة أخرى تتخذ من الإشاعات والتشهير وسيلة للنيل من الشعب الأحوازي وقيادته السياسية والميدانية.
التاريخ النضالي والسياسي الأحوازي مليء بالتجارب المؤلمة لهذه الحرب النفسية التي تدور رحاها بموازاة المقاومة المسلحة، بل في كثير من الأحيان تأخذ هذه الحرب أكثر شراسة من الاحتكاكات والاصطدامات العنيفة التي تحدث بين الدولة الفارسية والمقاومة الوطنية الأحوازية. لكن رغم هذا التاريخ الزاخر بهذه التجارب مازالت الطبقة السياسية الأحوازية لم تستفد منها ولم تعتبر منها، وهذا ما يثبته الواقع الأحوازي. يمكن من خلال مراجعة خاطفة لبعض المحطات المهمة في مسير القضية الأحوازية لمس عدم الاستفادة من التجارب الأحوازية وغير الأحوازية.
وما الأحداث الأخيرة التي تعج بها الساحة السياسية الأحوازية والاتهامات والإشاعات التي طالت أغلبية الشريحة المناضلة (تنظيمات وأشخاصا) إن لم نقل كلها، إلا خير دليل على أبعاد الحرب النفسية الإيرانية وأدواتها من جهة، والإهمال الأحوازي وعدم أخذ العبر من الماضي من جهة ثانية. بغض النظر عن الجهة (“أحوازية” أو غير أحوازية) التي تقوم بهذه الهجمة العدوانية ضد الطبقة السياسية والتنظيمات الأحوازية، فإن الجهة المستفيدة على المدى الاستراتيجي، هي إيران. لحد هذه اللحظة لم تجتز الطبقة السياسية الأحوازية هذا الاختبار (الحرب النفسية الإيرانية في الوقت الراهن) بنجاح، والفترات القادمة كفيلة بكشف تفاصيل هذه الحلقة من مسلسل الحرب النفسية وكفيلة بإظهار الأضرار والخسائر الذي لحقت القضية الأحوازية.
القاهرة- العرب الآن



