الحرس الثوري.. أذرع إيران للهيمنة على الشرق الأوسط
خلال عام 2014 المنصرم دأب النظام الإيراني على استعراض القوة والإكثار من المناورات العسكرية، وتسعى إيران إلى أن يكون لها نصيب كبير في وضع الشرق الأوسط الجديد، وتغيير الخريطة الأيديولوجية لمنطقة الخليج العربي ليكون لها أكثر من حليف تستطيع من خلالهم تنفيذ مخططاتها وأهدافها.
وهو ما اتضح خلال تصريحات الجنرال حسين سلامي، نائب قائد الحرس الثوري الإيراني، بأنَّ تغيُّر موازين القوى الذي تشهده المنطقة يصب في مصلحة الثورة الإسلامية الإيرانية، مؤكدًا وجود جيوش شعبية مرتبطة بالثورة الإسلامية في العراق وسوريا واليمن، يبلغ حجمها أضعاف حزب الله في لبنان
وتزامنت تصريحات المسؤول العسكري مع اختتام الجيش الإيراني في مناورات عسكرية واسعة، بمشاركة جميع تشكيلاته البرية والبحرية والجوية
وأضاف سلامي في تصريحات نقلتها وكالة أنباء “فارس” الإيرانية أنَّ الثورة الإسلامية ارتبطت بأواصر مع العراق، لتتشكل هناك قوات شعبية يبلغ حجمها عشرة أضعاف حجم حزب الله في لبنان.
وأشار إلى أنَّ سوريا تشكلت فيها أيضًا قوات شعبية تستلهم فكر وقيم الثورة الإسلامية الإيرانية، كما اعتبر أنَّ جماعة أنصار الله التابعة لجماعة الحوثيين في اليمن يمارسون الآن دورا كدور حزب الله في لبنان، بفضل اتخاذهم قيم الثورة الإسلامية نموذجًا، على حدّ تعبيره.
من جهته قال رئيس البرلمان الإيراني علي لاريجاني إن بلاده استطاعت أن تشكل قوة ردع تحفظ أمنها وتساعدها على الوقوف في وجه التهديدات، على حد تعبيره.
واعتبر لاريجاني أن العلاقة بين الإيرانيين وحكومتهم ووفائهم لثورتهم الإسلامية وتصدير هذه الثورة إلى بقية دول المنطقة،.. كلها أمور تساعد على حفظ البلاد من الداخل ـ على حد تعبيره
ولا يكاد يمر يوم منذ الفشل في التوصل إلى اتفاقٍ بشأن النووي بين الولايات المتحدة وإيران، إلاّ ويخرج علينا مسؤول مدني أو عسكري إيراني مفتخرًا بالاستيلاء على دولٍ عربية إمّا من جانب الميليشيات الشيعية (العربية) التي سلْحتْها إيران، والتي يسميها الإيرانيون جيوشًا شعبية عملت وتعمل لمصلحة «الثورة»– أو من جانب قوات الحرس الثوري التي غيّرت الموازين الاستراتيجية في البر والبحر!
وكان علي لاريجاني رئيس مجلس الشورى الإيراني قد قال في لبنان إنّ بعض التنظيمات الإيرانية هذه هي أفعَلُ من الدول، وضرب مَثَلًا على ذلك كلًا من «حزب الله» و«حماس»! وهكذا فهناك عدة وجوه في نظر إيرانيي نظام ولاية الفقيه للتقدم الإيراني في المنطقة العربية: إقامة تنظيمات (فاعلة) أكثر من الدول- وانتصار الثورة أو انتصار ممارساتها خارج الحدود- وحق إيران «الثورة» في التدخل في العالم العربي لحماية الشيعة تارةً، ولنشر قيم «الثورة» تارةً أُخرى- وأخيرًا وليس آخرًا القول بالتغير الاستراتيجي بالمنطقة لمصلحة إيران، في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.
وخلال عام 2014 المنصرم دأب النظام الإيراني على استعراض القوة ودلائل الاقتدار عبر سياسة استعراض العضلات والإكثار من المناورات العسكرية، في تصرفات تعكس قلقا وخوفا أكثر من كونها مؤشرا على قوة لها وزنها في الجبهات المتمركزة فيها في كل من لبنان وسوريا والعراق واليمن.
وتسعى إيران أن يكون لها نصيب كبير في وضع الشرق الأوسط الجديد وأن تغير الخريطة الأيديولوجية لمنطقة الخليج العربي ليكون لها أكثر من حليف تستطيع من خلالهم تنفيذ مخططاتها وأهدافها.
إلا أن النظام الإيراني يواجه استحقاقات دفع كلفة عالية جدا بما يشكل حالة استنزاف كبيرة للاقتصاد وللجهد العسكري للحرس الثوري والقوات الإيرانية التي تخوض الحرب على جبهات عديدة في ظل حصار اقتصادي قديم أرهق الاقتصاد الإيراني وأزمة اقتصادية عاصفة بسبب تهاوي أسعار النفط في السوق الدولية، تزامن ذلك مع تصاعد وتيرة الصراع في العراق ودخوله في مرحلة بالغة الحساسية والخطورة بعد تمدد داعش في سوريا والعراق.
خسائر كبيرة
ومن يتابع الخسائر الإيرانية على الجبهات المختلفة يجد أن الحرس الثوري في العراق خسر قيادات عسكرية مهمة كانت قد خاضت صفحات الحرب ضد العراق في ثمانينيات القرن الماضي مثل الجنرال الحرسي ونائب قاسم سليماني وقائد مقر عمليات رمضان الحربي العميد حميد تقوي وعشرات من العناصر التابعة للحرس الثوري في سامراء مع ما يقال ويشاع عن إصابة قائد فيلق القدس نفسه (سليماني) بجروح خطيرة وغيابه عن حفل تشييع (تقوي).
كما أن قيادة الميليشيات العراقية الشيعية باتت تقدم يوميا خسائر كبيرة في صفوف القيادات الأولى وخصوصا في فيلق بدر التابع للحرس الثوري الذي يقوده الوزير العراقي السابق هادي العامري وحيث يخوض معارك قاسية وصعبة في منطقة ديالى ترافقت مع عمليات انتقام وتطهير طائفية مؤلمة أقدمت عليها الميليشيات الطائفية ضمن مسلسل فرض التغيير الجيوسياسي والطائفي الخطير في العراق.
الهيمنة الإيرانية
ووسط هذا المشهد الدامي في العراق برز نائب قائد الحرس الثوري حسين سلامي بتصريح يكشف عن طبيعة الدور الإيراني في المنطقة ودورها المباشر في تشكيل قوات (شعبية) كما قال في أربع دول عربية هي اليمن والعراق وسوريا ولبنان.
مؤكدًا على أن الهدف الإيراني دعم هذه الجماعات لتكون أقوى حتى من حزب الله اللبناني كما هو الحال مع جماعة أنصار الله الحوثيين في اليمن، وجماعة بدر والعصائب والكتائب في العراق ضمن مجموع الحشد الشعبي الطائفي الممنهج.
وهو إعلان واضح يشير إلى حالة الحشد والصراع الطائفي في المنطقة خصوصا وإن مؤسسة الحرس الثوري الإيراني باتت تهيمن بالكامل على المؤسسة العسكرية العراقية حتى أن رئيس الأمن القومي الإيراني الجنرال علي شمخاني أعلن صراحة عن دور إيراني في تشكيل وتهيئة الجيش العراقي، وهو ما يؤكد مدى هيمنة النظام الإيراني على الوضع في العراق!
الجيوش الإيرانية
لعل تصريح رئيس البرلمان الإيراني علي لاريجاني أن إيران تشكل قوات شعبية في دول الجوار لهدفين الأول حفظ الأمن الداخلي الإيراني ونقل خطوط الدفاع عن طهران للعمق العربي المجاور في نقلات تعبوية هجومية، والثاني هو الاستمرار في متابعة الهدف القديم وهو (تصدير الثورة الإيرانية) يؤكد المخطط الإيراني لابتلاع المنطقة من خلال إشعال النزاع الطائفي في العراق عبر ميليشيات عديدة تغذيها بالمال الوفير والسلاح والخبرة والتدريب السياسي والأمني والعسكري.
وهذه الاستراتيجية التي تحدث عنها لاريجاني ترجمتها إيران سياسيا من خلال تكوين جماعات سرية مسلحة وساكنة في دول الجوار الخليجي تتحرك وتتسلح وتستعد لليوم الإيراني الموعود، فالنظام الإيراني يحتفظ بمفاجآت عديدة ومثيرة ومفاجئة، وجيوشه السرية في المنطقة جاهزة للعمل حين تتلقى الأوامر.
وثمة ملاحظة جديرة بالاهتمام وهى أن تواجد تلك الجيوش الشعبية الإيرانية على شكل حزام شمالي وجنوبي يحيط بالجزيرة العربية والخليج العربي، والهدف واضح هو استمرار مسلسل التخويف والابتزاز لدول المنطقة، مع انتظار الفرص السانحة لتنفيذ مهامها المحددة لها.
حقيقة المشهد
لكن المشهد على صعيد آخر يشير إلى أن النظام الإيراني يعيش حالة استنزاف مرهق لا يريدها أن تتحول لنزيف قاتل، وهو يتبع مبدأ الهجوم خير وسيلة للدفاع، وهو ما يفسر تلك التصريحات والمناورات وإظهار واستعراض القدرات الإيرانية والتخويف من الجيوش الشعبية الإيرانية في المنطقة وهو ما يعني بأن الرعب الداخلي الذي يعيشه النظام بعد تآكل قدراته الاقتصادية وقياداته العسكرية يظل هو الهاجس الأول في السياسة الإيرانية في ظل وضع إقليمي دموي بلغ فيه الحشد والاحتقان الطائفي حدودا غير مسبوقة.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه، هل تنجح تلك الجيوش والميليشيات الإيرانية في تغيير شكل وإدارة الصراع الإقليمي في ظل تهاوي أسعار النفط وتغير خريطة التحالفات الإقليمية والدولية بفعل ثورات الربيع العربية ؟
وإذا كانت الأوضاع في المنطقة لعبت دورًا في صعود إيران كقوة إقليمية، فقد لعبت دورًا أيضًا في صعود قوى إقليمية أخرى كتركيا، التي لها مصالح لا تقل أهمية عن مصالح إيران، وقد تتعارض مصالحهما مستقبلًا، وهو ما يشكّل معوقًا أمام تمدد النفوذ الإيراني.
نقلا عن ((المصر العربية))



