بسم الله الرحمن الرحيم
نستمر في حديثنا عن المناضلة الأحوازية البطلة المرحومة ( أم راضي ) والتي امتهنت من أجل تسهيل تنفيذ مهمتها الوطنية عدة مهن، مثلا كانت تدخل البيوت بسهولة وبدون أي مانع بحجة عرض بضاعة نسائية على النساء، وكانت تتقصد طرق عدة أبوابٍ من دور المواطنين قبل أن تدق باب الشخص الذي تريد أن تصل إليه لتسلمه ما تحمله من أمانة من قيادة التنظيم.
ان هذا الأسلوب من بيع الحاجيات على النساء من قبل إمرأة تطرق الأبواب اعتاد عليه الناس، وألمسألة عندهم كانت لا تخرج عن إطار أمرأة تكتسب الرزق الحلال بهذه الطريقة في معاملتها مع النساء، وكانت السلطات الأمنية وعملائها آنذاكلم يكونوا يفكرون في يوم من الأيام بأنّ مثل هذه الأعمال النسائية يمكن أن يتم توظيفها من قبل الأحوازيين المناضلين للعمل الوطني لتسهيل مهمتهم بعيدا عن أنظار هذه السلطات مثلما فعلت هذه المرأة المناضلة رحمها الله عندما سلكت هذا الطريق من أجل خدمة قضيتها، حيث أنها كانت تدخل دار أي مناضل تريد أن تسلم له البريد ألذي تحمله معها دون انتباه من أي شخص وحتى أهله المقرّبون إليه.
للتأكيد أنبه هنا بأن ذلك الزمان ليس هذا الزمان وطرق المناضلين والمخابرات تغيرت وتعددت فحذاري من استخدام هذا الاسلوب من قبل مناضلاتنا وإن كانت تلك المهن تمتهن في ذلك الزمان قبل أن يتطور الزمن ولإنسان بحيث لم تعد حاجة لها اليوم بسبب كثرت البوتيكات والمولات والأسواق وماشابه ذلك واخيرا تطور الزمن حتى بات أي شئ تريده تقوم بحجزه عن طريق الانترنيت ويأتيك بواسطة البريد بعد يوم أو يومين.
في يوم من الأيام وبينما أنا واقف أمام باب دارنا، رأيت هذه الإمرأة تطرق عدة أبواب من أبواب دور أقاربنا في منطقة الرويس في المحمرة وهي تحمل فوق رأسها صرّة كبيرة، ولم ألتفت أو أظن في أنها تقصدني هذا اليوم حتى أكون مستعدا لذلك، فدخلت إلى بيتنا وأغلقت الباب خلفي ولم يكن في بيتنا أحد آنذاك سوى شقيقتين لي يصغرنني سنا.
بعد عدة دقائق وبينما أنا جالس مع شقيقتي الصغيرة أتحدث معها وإذا بالباب تُطرق، ذهبت وفتحت الباب وإذا بها ( تلك المرأة رحمها الله )، فسلمت عليها وقلت لها: تفضلي .. ماذا تأمرينني؟
قالت : أريد أن أعرض بضاعتي النسائية على نساء العائلة عسى وأن تعجبهن ويشترين مني بعض الحاجيات النسائية.
قلت لها : تفضلي على الرحب والسعة.
فدخلت وكان التعب واضحا عليها، والعرق يتصبب من وجنتيها.
ملاحظة: لم يكن الشهيد ( الحجي ) ، قد أخبرني من قبل بانه سوف يرسل لي هذه الإمرأة في يوم من الأيام بمهمة وطنية ولم اتوقع ذلك أبدا.
وفور دخولها إلى بيتنا طلبت من شقيقتي التي كانت واقفة بجانبي أن تأتيها بقدح من الماء البارد، وبعدما جاءت إليها بالماء البارد قالت لها:
” إبنيتي يا بنت الأياويد – الأجاويد – لو تعملين لي شايا أفضل .. لأني بحاجة إلى الشاي “.
فور ذهاب شقيقتي لإحضار الشاي استغلت ( المرأة رحمها الله ) تلك الفرصة الثمينة التي كانت تبحث عنها وأسمعتني كلمة السرّ التي إتفق معي الشهيد ( الحجي ) عليها مسبقا والذي قال وأوصاني على أنّ عليّ أن لا أثق بأي شخص يفاتحني بأمر يخص عملنا ويقول لي بأنه من طرفه مالم يعطيني كلمة السر المتفق عليها..
وبعد أن اعطتني كلمة السر وجاوبتها بكلمة سر الجواب الذي عرفته من الحجي، وبعد أن اطمئننا ووثقنا ببعضنا البعض وعرفت بأنها من قبل ( الحجي ) وهي عرفت بأني أنا فلان، قالت وبكل ثقة بي : أرسل الحجي معي هذا البريد إليكم ويسلم عليك ويقول: يجب أن تطّلع على التوجيهات التي في هذا الكتاب، وسلمتني بسرعة فائقة مع البريد كتابين صغيرين أحدهما يتكلم عن دور الشباب في الثورات وفي بناء الأوطان والثاني يتكلم عن شخصية وتاريخ القائد العربي ( طارق بن زياد ) فاتح الأندلس.
تفاجأت من هذا الأمر الذي اكتشفت فيه مسألتين تستحقان التأمل:
الأولى: هي سرية العمل التنظيمي التي استخدمها الحجي معي حيث أنه لم يخبرني من قبل بأنه سوف يرسل لي أحدا ما في يوم من الأيام كي يسلّمني مثل هذا البريد لأطلع على التوجيهات الضرورية والتي فاجأتني بها تلك المناضلة رحمها الله..
الثانية: هي الذكاء الخارق لتلك المرأة المناضلة وتصرفها وحسن اختيارها لهذه المهنة بشكل لا يصدّق لإنجاز مهمتها الوطنية بعيدا عن عيون الأعداء رغم أنها كانت إمرأة أميّة ريفيّة قرويّة لا تعرف القراءة ولا الكتابة، لكن الهدوء الذي كانت تتمتع به والعقل الذي كانت تستخدمه لتنفيذ مثل هكذا مهمة جعلاني أن لا أصدق بأنها إمرأة أمية، لأن ما قامت به يحلق بتفكيرك إلى أنها إمرأة متعلمة وتحمل شهادة علمية.
ألف تحية إجلال وإحترام للماجدات الأحوازيات المناضلات
حتى نلتقي مرة أخرى السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ملاحظة:
من أجل تزويدنا بمعلومات، أو تصحيح معلومة، أو تزويدنا بأسماء الشهداء أو بقية المناضلين الذين لربما ننساها ولا نذكرها مع الأسماء التي نذكرها في الحلقات، أو من أجل أي استفسار تودون أن تستفسروه منا، يرجى التواصل معنا عبر الأيميل التالي:
a7wazna_1925@yahoo.com