بسم الله الرحمن الرحيم
في الحلقة الماضية عزيزي القارئ الكريم، ذكرنا كيف إن أحد الشباب كان يناقش شيوخ العشائر باسلوب لا يُحسد عليه، لأنّ طرحه للمواضيع كان بطريقة تم انتقاده عليها من قبلنا قبل الشيوخ الذين أهانهم وأهان مكانتهم الإجتماعة، خاصة وإنه كان يطرح تلك المواضيع وهو جالس في دواوينهم وبين أفراد عشيرته.
ماذا نتأمل من الشيخ أن يكون موقفه وأبناء عشيرته من هكذا شباب يدّعون بأنهم مثقفون، وهم لا يعرفون حتى كيف يتكلمون مع الآخرين؟
فأين هي الثقافة التي يجب أن يتحلى بها ويجب أن يستخدمها الشاب المثقف لإقناع الآخرين؟
بعض الشيوخ استعمل الحكمة مع هذا الشاب, وبعضهم رد عليه بمنطق يستحقه فعلا..
عندها قال ( الحجي ) للشاب المذكور:
أنت تدعي بأنك من الثوار الشباب، كيف تكون ثائرا ما لم يكن لديك إحترام للآخرين، وليس لديك قدرة على تقدير المواقف، خاصة في مثل هذه الحالات الإجتماعية التي تتطلب من الحاضر في هذه المجالس أن يكون على قدر من المسؤولية الإجتماعية، كي ينظر الآخرون إليه بعين الإحترام والتقدير؟
هل إن المنطق الذي طلعت به علينا في هذا المجلس هو منطق الثوار حقا؟
هذا هو الطريق والأسلوب الصحيح لتقويم الآخرين؟
هل إن التقدمية والتطور تعني إهانة الآخرين؟
عند ذلك لام بقية الشباب صاحبنا المتمنطق واعتذروا من الشيوخ، وقالوا لهم:
نحن ابناؤكم وعليكم تفهمنا وتقويم أخطائنا.
وأما عقابه من قبل الحجي فكان أمامنا، وكان توبيخا يستحقه، حيث وبّخه كمسؤول له وكأخ أكبر سنا منه وقال له: يا أخي نحن في مهمة وطنية يجب علينا أن نكسب لا أن نضيع، لأن عين الوطن على طلائعه ونحن نريد منك ومن أمثالك أن تكونون طلائعه من زمرة الشباب المعول عليهم، لذا ارجوا منكم ايها الشباب أن تكونوا من الآن فصاعدا على قدر المسؤولية الوطنية ومن أولويات واجباتكم هو احترام الناس الأكبر منكم وتقديرهم، والتواضع ثم التواضع حتى وإن كنتم اثقف منهم علميا، عليكم أن تحترمونهم لأن الوطنوالثورة بحاجة إلى الجميع، وعليكم أيضا أن تقيسوا الأمور قبل القيام بأي شء وأن تقدّروا المقام قبل اكلام.
ومثل هذه الحادثة وقعت في مبنى المنظمة السياسية للشعب العربي الاحوازي في المحمرة في يوم من الأيام أيضا، ذلك عندما كان الناس مجتمعون في الصالة الداخلية للمنظمة للحديث عن شؤون شعبنا وهمومه وإذا بأحد الحاضرين وهو من المؤسسين الأصليين لإحدى الحركات العربية الأحوازية الفتية في المحمرة آنذاك والتي اندمجت وانصهرت في اطار الجبهة العربية لتحرير الاحواز فيما بعد وهي حركة المجاهدين العرب، وهو السيد (( شاكر شكوري )) قام وبكل حدة وشدةوبصوتٍ عالٍ ووجه نقدا لاذعا وجارحا للشيوخ وأمام أبناء عشائرهم، بحيث كادت أن تحصل كارثة كبيرة داخل مقر المنظمة لولا العقلاء والحكماء من أبناء شعبنا الذين تمكنوا من إخماد نار هذه الحادثة، ذلك لمّا هاجم أبناء عشيرة أحد الشيوخ الحاضرين وهو من شيوخ بني كعب بكلام جارح مماثل لهذا الشخص الذي تكلم في كلام لم يكن طرحه ضروري أمام كل هذا الجمع وهم أبناء عشائر ولا يمكن أن يقبلوا باهانة شيوخهم، حيث جاء بنفس الكلام الذي يردده الفرس بحق العرب دون أن يعرف بأنه يخدم بذلك الإحتلال الفارسي ونهجه المعادي للعرب، خاصة حينما قال: نحن العرب متأخرون دائما والسبب في ذلك هو أنتم شيوخ العشائر الذين تحبون مشيختكم على الناس فقط ولا تفكرون بشئ آخر، أنتم الذين وأدتم الأنثى قبل الاسلام واليوم تتعاملون معها على أنها سلعة تشترى وتباع ويتم مبادلتها بأخرى (( گصه بگصه )) وتجعلون منها فصلية تختارون لها زوجا بدون أن تعرفه أو ترغب فيه تنكيلا واهانة للقبيلة التي سلمتكم اياها اعتذارا لخطأ أو اعتداء ارتكبته بحقكم وهي ضحيتهم وضحيتكم دون ان ترتكب اي ذنب، هكذا أنتم ايها الشيوخ.
مَثَل الشاب آنف الإشارة أو الأخ شاكر شكوري كمثل بعضنا اليوم، حيث إنه وعندما يريد أن ينتقد حالة معينة أو مسيرة أحد أو تنظيم ما ، يأتي متهجما عليه في يدٍ سيف للقتل، وفي يده الأخرى معول للتهديم بدلا من أن يحمل قلما يصحح فيه المسار بنقدٍ بناءٍ أو نصيحة ناصحٍ يتقبلها المتلقي منه بعقل متنور، لأنّ طريقة النقد التهجمية هي طريقة من بيده مطرقة ثقيلة الوزن يضرب بها معرضا مزججا مليئا بالبلور والخزف، والنتيجة معروفة للجميع.
إلتقى الشهيد ( الحجي )، مرة من المرات بي ومعه شخص يُدعى ( أبوفالح )، بالقرب من مبنى مقر ( المركز الثقافي العربي في المحمرة )، في الشارع الذي يسميه الفرس شارع ( فردوسي )، والذي لا يستحق إلاّ أن يسمى بشارع المتنبي، لأن فردوسي شاعر فارسي عنصري معروف بشوفينيته، والمتنبي شاعر عربي مرموق شهدت له ولشاعريته الأزمنة والعصور وفطاحل الشعراء والادباء والفلاسفة والحكماء والحكام، لأن شعره مليئ بالمواعظ والحكم، وانّي أقل من أن أقيّم هذا الشاعر الكبير، فلهذا يستحق من أبناء عمومته في الأحواز العربية أن يَتَحدّون فردوسي وأحفاده ويسمّون شارعهم هذا بكل فخر واعتزاز بإسمه ويطلقون عليه إسم شارع المتنبي بدلا من أن يسمى شارع (( فردوسي )) اللعين.
بعد أن سأل ( الحجي ) أبوفالح عن أحواله وأحوال عائلته وبقية الشباب الذين يعملون معه قال له:
خذ مشتاق احمد علوان – ويعني به أنا فؤاد سلسبيل أبورسالة وأعوذ بالله من كلمة أنا – معك بسيارتك إلى مدينة عبادان وانتظرني في بيت أللقاء، لحين عودتي إليكم.
في حينها لم أكن أعرف ماذا كان يقصد ببيت ( اللقاء )، لكنني عرفت بعدها بأنه كان يستخدم هذا البيت الذي يقع في إحدى مناطق عبّادان، والذي كانت تسكن فيه عائلة صغيرة من رجل وإمرأة وطفليهم وكانت معهم عجوزة طاعنة في السن، والذي لم أعرف إسمه فقط ان الحجي كان يناديه : ابونهله.
لما دخلنا أنا وأبو فالح إلى البيت وسلمنا على الحاضرين وأعني الشاب والعجوزة أمه رأيت صاحب البيت شاب رياضي بمعنى الكلمة، ذلك من خلال عضلاته لأنه كان يشبه رياضيي كمال الأجسام.
بعد أن جلسنا هنيهة وتبادلنا معا أطراف الحديث قبل مجيئ الحجي سألته: هل أنت رياضي؟
قال نعم أنا أمارس رياضة كمال الاجسام في نادي صناعة النفط في عبادان والذي يسمونه الفرس (صنعت نفت ) .
قلت له: وهل تشارك في دورات سباق أم انها هواية؟
قال: لم اشارك إلا مرتين فقط وفزت على أقراني وبعد ذلك لم يتم تسجيل إسمي أبدا.
قلت له لماذا لم يتم تسجيل اسمك في مثل هذه الدورات هل نزل مستواك إلى ما دون المطلوب؟
ضحك وقال: كما تراني أنا في قمة نشاطي الرياضي الآن، لكن المشكلة تكمن في إنني عربي، وكما تعرف هناك تفرقة موجودة بين الفرس والعرب من قبل مسؤولي الاحتلال الفارسي في كل مكان، لأنهم يحاولون أن لايظهر أو يبرز أي عربي في أي مجال ويريدون إلقاء دوره وهذا ينطبق على الرياضة أيضا.
دخل علينا ( الحجي )، وكان يحمل معه جهاز صغير خاص بتسجيل الصوت ومعه أشرطة صغيرة خاصة به، علما إني لم أرى مثل هذا الجهاز من قبل في ذلك الوقت إلا بيد الصحفيين عندما يقومون بتغطة مؤتمر صحفي ورأيت ذلك من خلال التلفزيون فقط.
في حلقتنا القادمة سنشرح لماذا هذا الجهاز وأين يريد استخدامه الحجي.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ملاحظة:
من أجل تزويدنا بمعلومات، أو تصحيح معلومة، أو تزويدنا بأسماء الشهداء أو بقية المناضلين الذين لربما ننساها ولا نذكرها مع الأسماء التي نذكرها في الحلقات، أو من أجل أي استفسار تودون أن تستفسروه منا، يرجى التواصل معنا عبر الأيميل التالي:
a7wazna_1925@yahoo.com