مقالات

واجتاحني حب كارون (( لحظات الوداع )) ( الحلقة الخمسون ) فؤاد سلسبيل – أبورسالة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

عندما رأيت أنه لا فائدة من بقائنا في شوارع المحمرة خاصة وأن جميع المستوطنين والمعادين للأحوازيين قد تسلحوا تسليحا كاملا رجالاً ونساءً ويطلقون النار على كل عربي يجدونه في الشارع بلا هوادة ورحمة قلت للذين كانوا معي و أحدهم كان من أبناء عمومتي والذي يعيش اليوم في الداخل والثاني كان إبن عمتي إبن السابعة أو الثامنة عشرة ربيعا آنذاك الشهيد ثمين الفيصلي والذي تم إعدامه في سجن إيفين فيما بعد وبالتحديد بتاريخ 12/9/1991:

” تفرقوا من حولي لأن الأخ طاهر الحاج ياسين فعل ماهو صحيح قبل هذا واتجه إلى جهة أخرى من المحمرة، لأنّ العدو إذا ما ظفر بنا نحن الثلاثة في مكان واحد فسيقتلنا جميعا أو يلقي القبض علينا سوية ومن ثم يقوم بإعدامنا وهذه إذا ما حدثت سوف تكون خسارة للوطن ولعائلتنا باعتبارنا كلنا من بيت واحد وأيضا تضاف إلى الخسائر البشرية التي حدثت ومازالت تحدث للعرب في المحمرة على يد المستوطنين والمليشيات والمتطوعين والكماندوز والقوات البرية والبحرية والجوية بقيادة المجرم أحمد مدني أيضا، لذا يجب علينا الحفاظ على أنفسنا وعلى من تبقى من شبابنا بدل أن نقع في قبضة الجلادين أمثال مدني وخلخالي وجهان آرا والعملاء من العرب وغيرهم من السفاحين كما وقع الكثير من أشقائنا وسقط العديد منهم شهداء وجرحى “.

تفرقنا إلى جهات مختلفة، فهم ذهبوا كل واحد في طريق وأنا ذهبت باتجاه بيت كنت أعرف العائلة التي تسكن فيه، وكان أقرب بيت لي أعرفه هناك، لكن وقبل أن أذهب الى ذلك البيت دخلت إلى مستشفى الحاج سلمان الشهيدي ألذي كان يطلق عليه أهالي المحمرة  مستشفى شهيدي  لأني كنت أعرف عنه أنه من أقرب المقربين لوالدي من الأصدقاء الخاصين به في المحمرة وكان هو أيضا يعرفني جيدا ويحترمني كثيرا، ذلك احتراما لوالدي ولعائلتنا عائلة الفيصلية، وأيضا لأني ( كنت ) أحد الشعراء المعروفين في المحمرة رغم صغر سني بالنسبة إليه، فقلت عسى وأن يخبئني في مكان ما في المستشفى، لكن عندما دخلت إلى المستشفى وقبل أن التقي بالدكتور الحاج سلمان الشهيدي رأيت بعض الثوار ومنهم الشهيد طه الضاحي في المستشفى فقلت لهم:

 لماذا أنتم هنا؟

 فقالوا إن السيد علي بن السيد هادي أصيب بإطلاقة معادية وأتينا به إلى المستشفى.

 ذهبت إليه فورا ورأيته ممدا في غرفة الطوارئ بانتظار معالجته لوقف نزيف الدم من جرحه الذي كان يؤلمه ألما شديدا.

بينما أنا واقف وأتكلم مع السيد علي رحمه الله وإذا بالحاج سلمان الشهيدي يدخل إلى غرفة الطوارئ ومعه اثنتين من الممرضات وأحد الممرضين من الرجال، فقال لنا أرجوكم الكل يخرج من الغرفة ومن المستشفى فوراً لأنه يوجد احتمال قوي أن تدخل قوات أحمد مدني المستشفى لتفتيشها وأخذ كل جريح عربي معهم.

 فما كان مني إلا أن أسمع كلامه وأخرج فورا من المستشفى.

لما عرف الأعداء بأمر السيد علي وأنه يرقد هناك دبّروا خطة لإخراجه من المستشفى لكن بخطة دقيقة ليتم بعد ذلك إعدامه كما تم إعدام شقيقه البطل المناضل الشاب الشهيد سيد حميد السيد هادي فيما بعد والذي ألقي القبض عليه في المحمرة من قبل، لكنّ بتخطيط الثوار – منهم الشهيد الأحوازي البطل إبن المحمرة المقدام طه الضاحي والفدائي البطل علي معارج – أبو حسين الأحوازي – وبسبب درايتهم بخباثة الفرس تم إفشال خطة العدو حينما قاموا هُم باختطاف المرحوم سيدعلي بسرعة رغم خطورة إصابته ليخرجوه من المستشفى فورا ويغادروا به إلى العراق الشقيق عبر القرى الحدودية وبساتينها ليرقد في المستشفى العسكري في مدينة البصرة الفيحاء وتجرى له عملية كبرى تكللت بالنجاح كتب الله له على أثرها عمرا جديدا وبقي في بلده الثاني العراق حتى مماته رحمه الله في السابع والعشرين من أيار عام 2005.

كما أسلفت فإني خرجت فورا من المستشفى وتوجهت إلى ذلك البيت الذي يقع في تلك المنطقة حيث إني أعرف أهله تماما وأعرفهم جيدا بأنهم عرب أقحاح وأحوازيين أصلاء ووطنيين مؤمنين بقضيتهم.

بقيت في هذا البيت لمدة ثلاثة أيام وكنت أتابع الأخبار من خلال إبنهم الأصغر في العائلة والذي كان صديقا حميما لي وكان يصغرني بثلاثة أو أربع سنوات، حيث سمعت منه عن استشهاد جابر الثامري وإلقاء القبض على سيد حميد في منطقة ( الشبيبة ) وكذلك إلقاء القبض على الكثير من المواطنين وجرح الآخرين منهم، وسمعت منه أيضا أن شباب العرب في اليوم الثالني للمجزرة قاموا بالهجوم ليلا على مخفر العدو الواقع في منطقة  الخيِّين  الواقعة بالقرب من منطقة  الشلامجة على الحدود الأحوازية – العراقية، وكان قد جرح عدد منهم في هذا الهجوم حتى إنهم أجبروا على التراجع لتضميد الجرحى – طبعا هذا حسب روايته  لأني كنت غير قادر على التأكيد من الأخبار بسبب اختبائي في البيت لمدة ثلاثة أيام – وإذا بإمرأة عربية أحوازية غيورة تصرخ بهم قائلة لهم:

” لستم أنتم من يتراجع أيها الأحوازييون النشامى وأيها العرب الغيارى حتى وإن كان فيكم عددٌ من الجرحى، وما عليكم إلا تكملة المشوار والمهمة وتكبيد عدوكم الخسائر تلو الخسائر لتُفرحوا بها عوائل شهدائكم وجرحاكم ومعتقليكم، وعليكم أنتم تردوا الصاع صاعين من عدوكم الغاشم”.

 من ثم زغردت زغرودتها والتي نطلق عليها نحن ( هلهولة ) – والتي تبثّ من خلالها النساء روح الشجاعة والنخوة والشيمة العربية في نفوس الرجال وتشد من عزيمتهم – طبعا زغردت هذه الماجدة بصوتٍ عالٍ سمعه جميع الرجال الذين كانوا في ساحة تلك المعركة، وركضت أمامهم تريد مهاجمة هذا المركز لوحدها، وإذا بشوارب الرجال تهتز بعد أن أخذتهم الغيرة العربية إستجابة لنخوة هذه الماجدة الأحوازية والعربية الحرّة، وقاموا مسرعين بمهاجمة المركز دون التفكير بالموت أو الإعتقال حتى تمكنوا من الدخول إليه وأخذ ما فيه من أسلحة بعد أن فرّ من كان فيه من العناصر التابعة للنظام الإيراني…

مرحى لكِ أيتها الماجدة الأحوازية يا بنت المحمرة العزيزة   ( بشة ).

بعد ثلاثة أيام وتحديدا في ضحى اليوم الرابع وإذا بالمرحومة والدتي والبنت الكبرى لصاحب البيت والمتزوجة من شخص كريم وفاضل انتقل الى رحمة الله فيما بعد وكانوا يسكنون بجوار منطقة سكنانا أتت لي إلى مكان اختبائي، وذلك بعد أن أخبرتها زوجة الإبن الأكبر لصاحب البيت بأني أنا موجود عندهم منذ بدء مجزرة الأربعاء السوداء.

فبعد أن رمت أمي بنفسها عليّ وأخذت تشمني وتقبلني وتحمد الله على نجاتي من الموت المحقق على يد زبانية المجرم أحمد مدني وترحمت على الشهداء ودعت للجرحى بالشفاء العاجل قالت لي:

” إني أخبرت صديقك فلان الذي يملك دراجة نارية سريعة أن يأتي إلى هنا ليأخذك معه على دراجته إلى مكان رسوّ الزورق ( البَلَم ) وهو لأحد أبناء عشيرتنا حيث قلت له أن ينتظرك هناك ليقوم بإيصالك إلى الضفة الثانية من نهر كارون وبالتحديد إلى ( مرسى بيت الزعير ) أو كما نسميه نحن في المحمرة ( إشريعة بيت الزعير ) لأنني أثق به تماما وأعرفه أهلٌ لإخفاء السر ” .

 كان مرسى بيت الزعير بعيدا نسبيا عن المرسى العام الذي كان يقع أمام مقر الشرطة العام والذي يطلقون عليه ( شهرباني ) المجاور لمبنى المنظمة السياسية للشعب العربي الأحوازي الذي تمت مهاجمته من قبل قوات أحمد مدني بأمر من الحكومة المركزية برئاسة بازركان وبدراية قائد النظام الجديد الخميني.

وأما بيت الزعير فهو من البيوت المعروفة جدا في مدينة المحمرة، وإلى هذا البيت ينتمي الشاعر المحمراوي المعروف وصاحب الهوسات الحماسية المرحوم ( جبار الزعير ) وكانت لهم زوارق ترسوا في هذا المرسى حيث تقوم بإيصال الناس من هذه الجهة إلى الجهة الأخرى من نهر كارون مقابل أجرة محددة.

بعد ساعتين من مجيء والدتي إلى البيت الذي كنت أختبيء فيه وصل صديقي على دراجته النارية السريعة وأردفني خلفه  حتى وصلنا إلى مكان رسو الزورق أو البلم المذكور وعبرت مع صاحب البلم إلى الجهة الثانية ولم ينتبه أحد لي عند عبوري حتى وصلت بسلام.

لما وصلت إلى الجهة الثانية لم أذهب الى بيتنا قط وكنت قد طلبت من والدتي أن لا تتردد أبدا على أماكن تواجدي التي ذهبت إليها والتي لم يعرف عنها أحد سواها، حيث سكنت لمدة خمسة أيام في ثلاث أماكن متفرقة أثنتين منها يقعن أطراف منطقة ( الرويس ) وهي منطقتنا الرئيسية والتي لم أدخلها طيلة تلك الأيام ولم يعرف عني أحد سوى والدتي التي التزمت بعدم زيارتها لي، والثالث يقع في منطقة الرويس تماما والتي دخلت فيها فقط عندما أبدلت المكان الثاني بالمكان الثالث، حيث إني دخلت أحد بيوت أقاربنا دون أن يشاهدني أحد من أقاربنا لأن جميع تنقلاتي من مكان إلى مكان آخر كانت تتم في الليل فقط.

بعد خمسة أيام أي بتاريخ 7/6/1979 وفي تمام الساعة الحادية عشرة قبل الظهر وأنا أنظر إلى الشارع العام من نافذة غرفة استقبال ذلك البيت وإذا بالمناضلة الأحوازية والماجدة البطلة المرحومة ( أم راضي ) تدخل المنطقة لكنها لم تكن تحمل معها أي بضاعة تذكر كما هي عادتها.

لما رأيتها كنت متأكدا من أنها تبحث عن مكان تواجدي كي تلتقي بي أو تريد تسمع أي خبر عني أو لديها رسالة لي من جماعة التنظيم، فأرسلت إليها إحدى بنات عمي من أصحاب البيت وقلت لها استفسري منها الأمر، وعلمتها كلمة السر التي بيني وبينها والمتفق عليها من قبل، وقلت لها إعطيها إياها.

فعلا التقت البنت بأم راضي بحجة أنّ أم راضي تطلب هذه البنت مبلغا من المال إزاء بضاعة كانت قد اشترتها منها بالسلفة من قبل، فقالت لها أم راضي:

” إخبري  مشتاق أحمد علوان  – وهو إسمي الحركي الذي لقبني به الشهيد أبو عواد في الداخل – في تمام الساعة الثانية بعد الظهر ستأتي إليه سيارة وهي نوع ( بيكان ) صفراء اللون وتقف أمام المسجد الذي يقع في المنطقة مقابل الطريق العام الذي يربط مدينة المحمرة بمدينة عبادان فاليذهب إليها دون أن ينتبه إليه أحد لأننا اخترنا هذا الوقت وهذه الساعة بالذات لأنه وقت تناول الغداء عند أغلب الناس ويكونوا أغلبهم في هذه الساعة مشغولين بتناوله وبما أن الوقت وقت صيف وحزيران جدا حار في بلدنا خاصة في المحمرة فإن الغالبية العظمى إن لم يكن الكل يأخذوا قسطا من الراحة حين يناموا بعد الغداء لساعتين أو أكثر من ذلك في تلك الظهيرة الحارة فتكون الشوارع خالية من المارّة إلاّ من بعض الأطفال الذين يلعبون في الظل ومشغولين ببعضهم أمام بيوتهم، فعليه أن يستفيد من هذا العامل ويذهب مسرعا إلى تلك السيارة “.

  كانت تعني أم راضي بذلك  مسجد الشهداء  وهو مسجد تم بناؤه من ورث جدنا المرحوم الحاج عمار فيصل الفيصلي وقام المؤمنون بالمشاركة فيه فيما بعد.

لربما سائل يسأل كيف عرف الحجي أو الشهيد أبو عواد رحمه الله بمكان اختفائك ومَن أخبره بذلك؟

عرف عن طريق صديقي وهو إبن تلك العائلة التي كنت قد اختفيت عندهم لمدة ثلاثة أيام والذي عرفت فيما بعد بأنه كان أحد المنتمين إلى الحركة الجماهيرية ويعرف الشهيد أبو عواد وله ارتباط معه عن طريق أحد أقارب الشهيد أبو عواد الذي كان يتردد على مسجد الإمام الصادق حيث مقر الإمام المجاهد المرحوم آية الله الشيخ محمد طاهر الخاقاني.

خرجت من بيت أقاربنا الذي اختبأت فيه لآخر مرة وذهبت الى بيتنا القريب منه قبل الذهاب إلى السيارة لأودّع والدتي وإخواني وأخواتي، لأن والدي لم يكن في البيت في حينها، حيث أنه كان يعمل في ميناء عبادان كمترجم على البضاعة التي ترد إلى الميناء من دول الخليج العربي وكان يترجم ما مكتوب من العربية إلى الفارسية وبالعكس، ولم يرجع إلى البيت إلا الساعة الثانية والنصف بعد الظهر يوميا.

لم يعرف برحيلي من المنطقة التي أذرفت عليها الدموع بغزارة لأنها مسقط رأسي ومكان صباي إلا أهلي ومن أوعدتها بالزواج منها في شهر أيلول من ذلك العام اي عام 1979 بعد أن يقوموا أهلي بطلب يدها لي من أهلها، وأن الذي اخبرها أن تأتي الى البيت في تلك الساعة وكان بطلب مني هي والدتي حيث أرسلت خلفها لتأتي وتشهد مشهد الوداع بيني وبين أهلي والذي كان لها حصة منه حيث نظرت إليها آخر نظرة في ذلك اليوم ولم أراها أو أرى صورتها وما هي عليه إلى هذا اليوم.

أوّل من ودّعت من أهلي شقيقتي الصغيرة التي كنت متعلق بها كثيرا ولم أتعود على فراقها وهي كذلك أيضا لم تتعود على ذلك من قبل، وكذلك شقيقي الصغير وهو أصغر منها فضممتهم إلى صدري وقبلتهم وعيوني تذرف الدموع كالسيل المنحدر على وجنتيّ، حيث أني لم اتمالك نفسي وبكيت بكاء شديدا حرقة عليهم، وكذلك ودّعت أختي وأخي الذين يصغرونني سنا وتباكينا معا بحرقة وشدة أيضا، وأما والدتي فبأيّ الأوصاف أوصفها في تلك اللحظات حين رمت بنفسها على الأرض وأخذت تبكي وتضرب على رجليها وخديها حتى أنها أغمي عليها، فرميت بنفسي وقـبّلت قدميها قبل أن أقبل يديها الكريمتين رحمها الله وقبل أن تستفيق وتشمني وأشمها بصمت ودون أي كلام منا، حيث تركتها تذرف الدموع وتضرب على وجهها وآخر ما قالته لي هو:

” إمودّع بيد الله يمّة … ألله ايحفظك من كل شر يمّه…خاف ما اشوفك بعد يمّة…خاف يلقون عليك القبض ويعدموك يا بعد روحي يا وليدي…تعال خل أشمك بنحرك خاف يشنقوك، وأشمك بصدرك خاف يطلقون عليه طلقات من يعدموك… لكن روح يمّه لأن أنا راضية عليك الله يرضى عليك ويحفظك ويعمي عيونهم عنك إن شاء الله “.

وبينما كان أخوتي وأخواتي يتباكون ويذرفون دموع الوداع وقبل أن أخرج من البيت دون أن أودّع والدي وأختي الثالثة وهي أكبر أخواتي لكنها تصغرني سنا وأنها متزوجة وتسكن في مدينة عبادان آنذاك، وقفت هنيهة وأنا أمعّن النظر في وجه من حملتها معي في قلبي لأن لساني لم ينطق كلمات الوداع ولم يكن يقوي على نطقها في تلك اللحظات العصيبة وكانت الدموع هي التي تحكي وتودّعها، تلك الدموع التي لم أجد من ينشّفها إلا منديلها الوردي الذي مرّرته على عينيّ لتمسح به دموعي والذي أخذته منها وبقي معي حتى زواجي عام 1986 ليس لأنّي عجزت منه لكن لأنّي لم أكن أريد أن أشق على قلبي أكثر من ذلك، خصوصا بعد الزواج وأنا ملتزم بعهد مع امرأة عاهدتها أن تكون هي الوحيدة في حياتي…

 نعم خرجت من البيت دون أن أقول لها وداعا، وكأني بها هي التي تطلب مني ذلك ولسان حالها يطلب مني:

رجاءً لا توادعني رجاءً

رجاءً ما أريد اسمع وداعاً

سافر وألله معاك

الدنيا ما تسوه وراك

لا توادعني رجاءً

(( من كلماتي ))

قبل الخروج كنت قد لبست ثيابا جديدة ووضعت فوق عينيّ نظارة شمسية سوداء غامقة، خرجت من البيت وكان ينتظرني خارج البيت أحد أبناء عمومتي وهو المرحوم ( لفتة ) والذي رافقني حتى السيارة لأني أرسلت خلفه خوفا من أي طارئ يطرأ وأنا أودع أهلي وبعدها يرافقني إلى السيارة.

إن المرحوم لفتة هو أحد أبناء عمومتي وكان يصغرني بعامين، إنتمى إلى التنظيم الذي انتميت إليه وهو الحركة الجماهيرية العربية لتحرير الأحواز على يدي، وكان يعرف عني وعن عملي السري كل شئ، وكان هو من تركت عنده جميع ما لديّ من كتب وكراريس عربية كنا نستفيد منها قبل مجزرة الأربعاء السوداء، وحتى إنني كنت أرسل إليه رسائل ويراسلني عن طريق أحد أبناء التنظيم الذي كان يذهب الى المحمرة باستمرار حين هاجرت إلى العراق حتى اندلاع الحرب التي فرضها النظام الإيراني على العراق الشقيق في أيلول ( سبتمبر ) عام 1980، وكنت أتابع اخباره بصورة أو بأخرى حتى أن توفي قبل بضعة سنين رحمه الله.

توجهت فورا بمعية لفتة إلى السيارة ولما وصلت إليها ودعته لآخر مرة، وجلست في المقعد

 الخلفي الذي كانت تجلس عليه فتاة محجبة أيضا ولم أكن أعرفها من قبل، فسارت بنا السيارة باتجاه مدينة عبادان رويدا رويدا، وأنا أنظر وألقي آخر النظرات على طرق وأشجار النخيل والسدر والصفصاف في منطقتي، وعلى نهر الرويس نهر منطقتي الرئيسي، وعلى مدرستي الإبتدائية ومسجدنا مسجد الشهداء الذي كنت مؤذّنه في كل الأوقات، وكذلك ألقي آخر نظرة على مكان مكان لعبي لكرة القدم مع أقراني من أبناء منطقتي حين كنا في سن العاشرة إلى الثامنة عشرة وهو المعروف بإسم ( كاع جدي تقي ) وكذلك على ساحة كرة القدم الخاصة بكبار السن حين بلغ سننا أكثر من ثمانية عشر عاما والمعروفة بساحة ( الصُبَخ ) وهي في الحقيقة تعني منطقة  ( السبخة ) أي الأرض غير المزروعة ولا تصلح للزراعة، والتي كانت بجانبها مقبرة خاصة بدفن أموات منطقتنا وبقية المناطق المحيطة بها.

سارت بنا السيارة حتى وصلنا إلى منطقة ( الزهيرية ) والتي تقع بين مدينتي عبادان والمحمرة أي في النصف بينهما على الجانب الأيسر من الطريق العام حين تتوجه من مدينة المحمرة إلى مدينة عبادان، حيث نزلنا في بيت شخص كانوا ينادونه بإسمه الحركي وهو العم ( أبو وادي ) وكان عمره آنذاك يترواح مابين الستين والخامسة والتسين عاما تقريبا.

عند دخولنا الى البيت وجدت ستة من الشباب هناك لم ألتقي بهم من قبل إلاّ إنني عرفت اثنين منهم فقط لأني كنت قد رأيتهم من قبل في المظاهرات والمسيرات العربية الإحتجاجية التي كانت تخرج في شوارع المحمرة وعبادان حيث كانوا يقفون دائما بالقرب مني وأنا ألقي بالأشعار والهوسات الحماسية أو أردد الشعارات للمتظاهرين، لكنني لم أعرف بأنهم هم من جماعة الشهيد أبو عوّاد.

قال لنا أبو وادي:

 

  ” أنتم أصبحتم الآن ثمانية أشخاص سبعة شباب وشابة واحدة في هذا البيت، وأنا مسؤول عن إخفائكم والمواظبة عليكم من المجرمين من زبانية احمد مدني خاصة من الحرس وعملاء النظام من العرب الذين يعرفون بعضنا بالوجوه والأسماء، وأنا مكلف من الحجي أبو عواد أن أو صلكم إلى المكان المحدد وسيكون خروجنا إلى ذلك المكان يوم غدٍ بعد صلاة الفجر إن شاء الله، لأن نقاط التفتيش يمكن العبور منها في هذا الوقت ولدينا أسلوبنا معهم ومن الله التوفيق “.

حتى الحلقة القادمة استودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ملاحظة:

من أجل تزويدنا بمعلومات، أو تصحيح معلومة، أو تزويدنا بأسماء الشهداء أو بقية المناضلين الذين لربما ننساها ولا نذكرها مع الأسماء التي نذكرها في الحلقات، أو من أجل أي استفسار تودون أن تستفسروه منا، يرجى التواصل معنا عبر الأيميل التالي:

[email protected] عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى