اجتاحني حب كارون ( الحلقة الثامنة ) فؤاد سلسبيل – أبورسالة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

لربما ينبري لي أحد القراء ويقول:

نراك تعظم هذا الشهيد ( الحجي ) أكثر من أي إنسانٍ آخر ؟

لماذا يا ترى كل هذا التعظيم دون غيره حتى دون أبيك ؟

هل له فضل عليك أكثر من فضل أبيك الذي كان سبب وجودك في الحياة ؟

أقولها وبكل صراحة بأن المحبة التي أحملها لوالديّ رحمهم الله ورحم أمواتكم جميعا لا أحملها لأي مخلوق آخر مهما كان ذلك الشخص، ولكن عندما أعظّم هذا الشخص فهذا وفاءً مني له، لأنّ له الفضل الكبير عليّ عندما أدّبني تأديبا سياسيا ونضاليا..

وهذا التأديب هو الذي يُعطي المناضل حياة باقية بعد موته والحياة الباقية أفضل من الحياة الفانية، وقد قيل للإسكندر:

إنّك تُعظمُ مُؤدِّبَكَ أكثرَ مِن تعظيمِك لأبيك .. فقال: إنّ أبي سبَبُ حياتي الفانية، ومؤدِّبي سببُ حياتي الباقية..

كان هذا الرجل أي الشهيد ( الحجي ) رحمه الله ورحم جميع شهدائنا، له لقاءات مع الجميع من الفصائل الأحوازية، الثقافية منها والسياسية، وكان لا يفرّق بين أبناء تنظيمه وبقية التنظيمات، ولكن ومع الأسف كان الكثير منهم لا يطيقون صراحته، خاصة عندما كان يقف بوجههم منتقدا أخطاءهم بنقد بناءٍ وصريحٍ ومباشر، حتى إنه فقد الكثير ممن كان يحسبهم أخوة له بسبب هذه الصراحة.

إنّ أسلوب الصراحة والنقد البناء في العمل، كان وما زال عند البعض من ( ربعنا )، يبقى مرفوضا وبمثابة خط أحمر، لكن الرجل كان مصرّا على تصحيح مسار العمل مهما كلفه الامر بسبب ذلك.

عندما أذكر بأن هذا الرجل كانت له علاقات واسعة، لا أتحدث جزافا ولا أريد أن أبالغ لا سامح الله لأنني كنت ألمس هذه العلاقات من خلال عملي معه.

 رأيـت علاقاته النضالية الطيبة والأخوية مع الرجال والنساء ومع الشباب والشيوخ ورؤساء العشائر والعمال والفلاحين، وكذلك مع أبناء الشعوب غير الفارسية، عند ما كان يتم التنسيق معهم من أجل توحيد الجهود وتوجيه صفعة قوية موحّدة لطواغيت إيران المحتلين لأراضي هذه الشعوب التي تناضل من أجل استعادتها من يد هذا المحتل البغيض.

وبما أن دور العنصر النسوي في تلك الفترة كان دورا بارزا وكبيرا بين صفوف الثوار، كان الشهيد ( الحجي ) قد كسب كثيرا من النساء والفتيات الاحوازيات المناضلات الثوريات لخدمة العمل الوطني والسياسي، ورأيته رحمه الله  كان يعتمد عليهن اعتمادا كبيرا في بعض المهمات مثل توزيع البريد على الأعضاء المنتشرين في جميع المدن والقرى والأرياف وهو عبارة عن بيانات وكراريس وبعض الصحف العربية التي كان يوزعها علينا وأيضا بعض التعليمات الشفهية التي كانت تصل إلينا من خلالهن.

نعم لقد رأيت العنصر النسائي فعالا جدا في تلك الفترة، وكيف كان هذا العنصر المضحّي يُعرِّض نفسه للخطر من أجل تنفيذ واجب يخدم به وطنه وقضيته وتنظيمه الذي كان يقاوم الإحتلال الفارسي، على الرغم من إننا كنا نفتقر إلى التكنولوجيا الموجودة اليوم مثل الأنترنت وما فيها من ماسينجر وإسكايب والفيسبوك وبقية مواقع التواصل الإجتماعي الجديدة التي جعلت من أركان الدنيا الأربعة قرية صغيرة يمكن أن توصل مالديك إلى غيرك لحظة بلحظة، ناهيك عن الهاتف النقال والفضائيات المنتشرة في أرجاء المعمورة والتي تبث كل حدث وخبر مصوّر وغير مصوّر أول بأول كي يطلع العالم كله على ما يحدث وفي كل مكان.

نعم لقد كنا نفتقر إلى التكنولوجيا الموجودة اليوم، ولو إننا لم نكن نفتقر اليها لما ضاع منا ماضاع من وثائق وأرشيف لا يقدَّر بثمن لأحداث تلك الفترة  حتى أصبحنا اليوم مجبرين أن نعتمد على ذاكرتنا،

ولكن وبسبب كبر سننا والنسيان الذي أصابنا فقدنا الكثير الكثير وضاع منا ما يفيدنا اليوم وبقينا نتأسف عليه، والشاهد على ذلك هو ما أنا عليه اليوم، لأني لم أتذكر كل أسماء رفاق دربي والذين شاركوني الأتراح والأفراح الوطنية في ذلك الحين وإلى يومنا هذا حتى إنني نسيت أسماء الكثير منهم ..

لذا ومن موقع الحرص على تاريخنا أوصي أبنائي وأخوتي المناضلين أن لا يتركوا أي صغيرة أو كبيرة إلا ووثقوها، وعليهم أن يحثّوا من سبقهم على الحديث حول ما يعرفونه من تلك الحقب كي لا يضيع منا على الأقل الذي نحفظه إلى هذا اليوم.

مثلا عليهم أن يتصلوا بالذين يكبرونهم سنا وعاشروا أحداثا سياسية واجتماعية واقتصادية أحوازية في حقب مختلفة ويطرحوا عليهم أسئلة كثيرة كي يأخذوا الجواب منهم ويقوموا بتوثيقه وهذا واجب هؤلاء الكبار لأنهم مشكولي الذمة إذا ما تذمّروا وتكاسلوا وامتنعوا عن إعطاء أي معلومة مفيدة وعلى الشباب إذا ما رأوا هكذا موقف من أي شخص أحوازي يكبرهم سنا والله غير ملومين إذا ما قاموا بفضحه لأنه يبخل على وطنه بإعطاء معلومات يعرف عنها هو وغيره لا يعرف عنها أي شئ وفي نفس الوقت يدعي بأنه مناضل.

نعم إن من أكبر الأخطاء التي رافقتنا في تلك الفترة وقصّرنا فيها جميعنا إلاّ القلة القلية هو عدم أرشفة الأحداث من قبلنا، طبعا حدث هذا من غير قصد وذلك بسبب قلة الخبرة وعدم امتلاك الرؤية المستقبلية وما تؤول إليه الإمور، وأيضا بسبب قلة التجربة السياسية وعدم اهتمام القادة السياسيين الذين كانوا يكبروننا سنا وأيضا عدم حثنا من قبلهم على هذا الأمر المهم وإعطاءنا التعليمات اللازمة حول هذه المهمة.

أنا لا اتهم الماضين بالتعمد لكن البعض منا أيضا كان يركض وراء حب الظهور والتزعم وجل تفكيره كان كيف يجلب نظر الأخرين إليه وترك ما هو مهم وما هو مفيد للأجيال القادمة ولم يفكر بأن تأتي هذه الساعة يوم التي نعض فيها إصبع الندم والتأسف وأصبحنا نتمنى لو أن الزمن يجع إلى الوراء كي نصحح الأخطاء التي وقعنا فيها…سامحنا يا رب.  

حتى نلتقيكم هذه تحياتنا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ملاحظة:

من أجل تزويدنا بمعلومات، أو تصحيح معلومة، أو تزويدنا بأسماء الشهداء أو بقية المناضلين الذين لربما ننساها ولا نذكرها مع الأسماء التي نذكرها في الحلقات، أو من أجل أي استفسار تودون أن تستفسروه منا، يرجى التواصل معنا عبر الأيميل التالي:

a7wazna_1925@yahoo.com

 

 

Exit mobile version