خراب إيراني آخر
كلمة الاقتصادية–تُصدِّر إيران نوعاً جديداً من صادراتها ”الثورية” المريضة (بل الموبوءة)، التي لم تجد سوى بعض المرضى الخارجين عن الواقع لاستيرادها، فلا يلبث هؤلاء أن يكتشفوا أن الدواء لا يوجد في
الوباء، وأن ”وارداتهم” زادتهم مرضاً، وأن النظام الإيراني، ليس قادراً حتى على أن يشفي بلاده
من أمراضها الداخلية، وأنه ليس مؤهلاً لتصدير الخير، وأن منتجاته تُصنع في قطاع الهلاك، إلى آخر الحقائق التي وُثِقت في سجلات المنطقة والعالم، بل في أوراق التاريخ. اليوم تصدر إيران خراباً جديداً، لشعب ادعت (كعادتها) أنها تقف بجانبه، وأنها جاهزة لتقديم ما تستطيع لتلبية احتياجاته، وأنها متوافقة مع حكومته، وأنها مستعدة للمضي حتى النهاية، لاستكمال الاستقرار فيه. وباستثناء التوافق (بل التكامل المخزي) بين النظام الإيراني وحكومة نوري المالكي، لا شيء صحيحاً في ادعاءاتها. وهذه حقيقة تعرفها طهران وبغداد قبل أي جهة أخرى.
النظام الإيراني يصدر ”المنع” ـــ إن جاز التوصيف ــــ إلى العراق. كيف؟ منذ أربع سنوات تمنع طهران إطلاق مياه بعض الأنهار (من بينها نهر الوند)، وهذا المنع أدى إلى أضرار بيئية كبيرة في الأراضي الزراعية العراقية، وتحديداً في المحافظات الشرقية والجنوبية. وطبقاً للمركز العالمي للدراسات التنموية، الذي يتخذ من بريطانيا مقراً له، فإن منع إيران إطلاق هذه الأنهار، تسبب في تدمير قرابة 10 في المائة من الأراضي الخصبة، ودفع إلى تشريد أهالي عديد من القرى، بسبب الجفاف. وحسب النتائج المدمرة أيضاً، فقد تراجع الإنتاج الزراعي لبعض المحاصيل العراقية بنسب وصلت في السنوات الماضية إلى 80 في المائة، وفوق هذا وذاك، تردت جودة المنتجات الزراعية. مهلاً.. تضخ إيران مياه البزل في بعض الأنهار العراقية، الأمر الذي أدى إلى تدهور الثروة السمكية، بل موت أنواع كثيرة منها. وأدى التخريب البيئي الإيراني الممنهج، إلى تغيير المناخ في بعض المناطق العراقية، وهجرة أنواع عديدة من الطيور، بل ظهور أفاع دهمت حتى المناطق السكنية، بعد أن استحوذت على المناطق الزراعية.
لا يكتفي النظام الإيراني بهذا التخريب، بل يقوم أيضاً بتحويل مسارات عدد من روافد نهر دجلة، ويقوم ببناء السدود على ما تبقى من هذه الروافد. وعلينا أن نتخيل المعاناة والخراب والآلام الاجتماعية والمعيشية الناجمة عن هذه الأفعال المنافية ليس فقط لأواصر حسن الجوار، بل للمعايير البيئية العالمية، الأمر الذي يستوجب تحقيقاً دولياً، سترفضه طهران حتماً، كما ترفض أي مبادرة تهدف إلى حل المشكلات والخلافات بطرق سلمية وهادئة. إن القضية خطيرة جداً، وعدم طرحها على نطاق واسع، يعني أن إيران ستواصل، ليس فقط تصدير الأضرار والخراب إلى الشعب العراقي، بل تدمير البيئة بمفهومها المحلي والإقليمي والعالمي.
إن المخاطر المعيشية والاجتماعية لا تنحصر فقط بما تنتجه الحروب والصراعات المسلحة. فالأضرار الناتجة عن التخريب البيئي الممنهج تفوق في كثير من الأحيان، تلك التي تفرزها الحروب. في ثمانينيات القرن الماضي، شهدت العلاقات التركية ـــ السورية توتراً سياسياً (وأحياناً عسكرياً) بلغ حد إعلان الحرب بين الطرفين. ومع انحسار حالة التوتر، أقدمت تركيا على وقف مجموعة من مشاريع السدود على الأنهار، لإبقاء منسوب المياه الآتية منها إلى كل من سورية والعراق، على حاله. اليوم لم تطرح حكومة المالكي العراقية قضية منع إطلاق مياه الأنهر الإيرانية باتجاه العراق، في ظل تطابق وتناغم، بل تكامل سياسي بينها وبين النظام الإيراني! أليس هذا السؤال ضروريا لأن يُطرح على نطاق واسع في العراق؟ أليس من الواجب على حكومة هذا الأخير، أن تقدم تفسيراً ما، للخراب البيئي والاجتماعي الآتي من إيران؟


