الأمن الوطني بقلم: طالب المذخور
الجزء السادس
حين أحدد ثلاث عناصر(( الطائفية ، الحزبية ، القبلية )) أعتبرها قنابل موقوتة يمكن أن تنفجر في أي لحظة أثناء مسيرة الثورة الاحوازية فلعلي أجد أسباب علمية لهذا التحديد من خلال ما جرى ويجري في بلدان عربية كثيرة ، ثم إني أعزو أن من تداعياتها اليوم مما أدى ألى تعثّر الثورة الاحوازية وإطالة عمر الأحتلال ، فالثورة تبدأ حين تصبح المواجهة بين الشعب وقوات الإحتلال تأخذ طابعها المعتاد كما حدث في كثيرا من ثورات الشعوب ، وحيث أن الطابع المعتاد لم يفرض نفسه ليومنا هذا بما يتعلق وخصوصية الثورة الاحوازية فلا بد من وجود أسباب جوهرية لهذا التعّثر قد تستمر لزمن بعيد أو قد تفاجئنا تطورات أقليمية ودولية نصبح فيها مجرد طعم لإدامة الأزمة التي قد تنشب في المنطقة وبهذه الحالة سوف نتحول من ضحية للمحتل الفارسي إلى ضحية المصالح الدولية وأكيد سيكون الثمن باهض جدا وهو دماء أبناء الشعب وتمزيق الاحواز .
وأعتقد إننا نتمسك بمفهوم مجازي ( للشعب الأحوازي ) ولم تعمل النخبة السياسية لتعزيز وترسيخ هذا المفهوم كواقع يغيّر من طبيعة الصراع بيننا وبين المحتل الفارسي من جهة ويضمن لنا نسبة مقبولة من التفائل يمكن لها أن تحولنا إلى شعب متحرر ودولة مستقرة أمنياً وهو الأهم .
فلو أتفقنا على تعريف يحدد مفهوم ( الشعب الاحوازي ) أعتقد نكون بهذه الخطوة قد بدئنا بمسيرة صحيحة للأمام ، فهناك تعريف يحاول البعض المتأيرن أن يجعله بديلا بسبب غياب تام للمشروع الوطني الاحوازي من الناحية العلمية . وغياب المشروع الوطني هو السبب المباشر في ظهور مشروع فارسي بديل وهو مشروع الأيرنة ، بإعتبار أن المفاهيم السائدة اليوم في ما يسمى بالدولة الإيرانية يمكن أستخدامها كأدوات جاهزة مع تغييرات طفيفة في المفهوم العام كأن يتحول ما يسمى بالشعب الإيراني إلى مفهوم ( الأمة الإيرانية ) داخل مشروع الأيرنة . ومن هنا تأتي الخطورة الشديدة لمشروع الأيرنة والتي تؤكد على عدم نضج الشعوب غير الفارسية وأنها مجموعات بشرية لم تستطع لحد الان من ترسيبخ مفهوم واقعي (( للشعب )) وأنها غير جاهزة بعد لتأسيس دول مستقلة وبالتالي من باب أولى أن تبقى هذه الشعوب تعيش تحت كنف ورعاية الشعب الفارسي .
إن أستخدام مفهوم (( الشعب )) وتكراره من خلال البيانات والخطب ليس دليل مقنع وعلمي وعملي على وجوده على أرض الواقع ، ونحتاج لشجاعة ومواقف مسؤولة لمواجهة هذه الحالة التي نعيشها منذ آمد بعيد ونسير مسروريين بإنجازاتنا التي نعتقد أنها صحيحة وموفقة بيد أنها في الحقيقة عبارة عن وضع ماء في أناء مثقوب ، فنحن نخسر جهدا ومالاً في ملئ الأناء وبنفس الوقت نراه دائما جاف .
في عام 1967 وعام 1968 شاركت جبهة تحرير عربستان في مؤتمر المحامين العرب واللذان عقدا على التوالي في القاهرة ثم الأسكندرية ، وحضر هذا المؤتمر ممثلون رسميون من كافة الدول العربية ، ولم يكن المحامون في تلك الاونة يمثلون أنفسهم بل يمثلون دولهم العربية بشكل رسمي ، واصدر مؤتمر الأسكندرية توصية في بيانه الختامي تتضمن المطالبة في منح القضية الاحوازية مقعدا في جامعة الدول العربية ، فلو نقارن ما نسمية أنجازات اليوم ونعتبر أن وجود مجموعة من النشطاء العرب في مؤتمراتنا عملا جبارا مع ما حققته جبهة تحرير عربستان قبل حوالي خمسين سنة فأعتقد ان الكل يتفق معي أنه لا شيء يُذكر .
فنحن تعثّرنا إذن إن لم أقل تأخرنا كثيرا ، وصحيح ان هناك أسباب موضوعية غابت اليوم من الناحية السياسية في الوطن العربي ولكن هناك أسباب ذاتية أيضا تتعلق فينا نحن الاحوازيين ، فنحن نمارس الثورة بالوطنية والإنتماء ولكن الثورة في أساسها هي فكر وعقل وليس مجرد عاطفة مندفعة بلا هدى وبلا عقل وبلا بوصلة .
إن أتفقنا أن (( الشعب )) هو مجموعة بشرية تعيش على بقعة جغرافية محددة ويرتبطون مع بعضهم في عقد أجتماعي وسياسي ينظم العلاقة فيما بين الأفراد ويحدد الواجبات والحقوق لكل أبناء الشعب ، وإن هذا العقد جاء نتيجة لتراكمات تأريخية تحددت في جغرافية معينة وثابة ربطت أبناء هذا الشعب بمصلحة واحدة واضحة ومحددة وثابة أيضا , فإن هذا التعريف يعتبر فاقد لمعناه إن لم تكن هناك مؤسسات مسؤولة وملتزمة ومقنعة أيضا للجوار السياسي والحالة الدولية السائدة تؤكد هذا المفهوم على أرض الواقع فإن التعريف يبقى حبرا على ورق أو إجترار لكلمات لا معنى لها إلا في قاموسنا نحن .
فأنا أتصور أن هناك مجموعة من الأشخاص في غرفة واحدة وهناك باب واحد وجميعهم يريد الخروج من الغرفة بنفس الوقت ويتدافعون ولا يعلم أي منهم ماذا يعني خروج س أو ص أولا ، ولا أحد منهم يعلم ماذا بعد باب الغرفة .فأكيد أن هذا المشهد لا يسعد أحد منا ولا يمكن أن يعتبر أنه طريقة أمنة وصحيحة لنقل قضيتنا الوطنية من حالة إلى حالة أفضل .ولا يُقنع أحداً من المراقبين أن هناك حالة يستوجب التعامل معها بجدية وإحترام. فحضور مجموعة من النشطاء العرب في مؤتمر لا تقرّه القوى الأحوازية مجتمعة فيه تجاوز كبير على الإرادة الوطنية وفيه عدم إحترام للقضية الاحوازية .
وأعتقد أيضا أن هناك خلطاً كبيرا قد حدث بين مفهوم الحزب في الدولة ومفهوم التنظيم في الثورة ضد الإحتلال منذ سنوات طويلة متأثرين بالواقع العربي الذي حولنا ، فلا أحد يستطيع أن يقنع التاريخ والإجيال القادمة إن ما يمارس اليوم هو خدمة للقضية الوطنية إلا إذا كانت هذه القضية الوطنية هي قضية مجزّئة ولها صور عديدة وحالات مختلفة وإن جوهرها لا يتجانس مع مظهرها وبالتالي فهي شيء خيالي لا وجود له في أرض الواقع ، وهنا يفرض نفسه السؤال التالي : هل العيب فينا أم في القضية ؟ !!! .
كل احوازي اليوم سواء إن كان ناشطا كفرد أو داخل أطار تنظيمي يقول أن الهدف من كل عمل يقوم به هو لخدمة القضية الوطنية . فكم قضية لدينا وكم شعب أحوازي لدينا ؟ هذا سؤال ثاني .
إن حجم التناقض بين الممارسة والخطاب شاسع جدا ، وهذا ما تستوجب الضرورة معالجته ، ومن خلال ما حدث من ثورة إصلاح قامت بها حركة النضال وجدّتُ أن أبناء الاحواز كأفراد لديهم قدرة عالية على التشظي والتمزق والتناثر وهذا بسبب غياب المفاهيم الوطنية بمعنى أن العقل الاحوازي الفردي غير قادر في هذه المرحلة على تحديد إتجاه فكري سياسي واضح ، فكل عمل وتصرف هو لصالح القضية في نظرهم ، ولذا فإن ما حدث يمكن أن يعتبر مؤشر واضح إن من الاحوازيين ممن لا يعيشون مفهوم (( الشعب الاحوازي )) إنما يعيشون حالة فردية غير منسجمة مع مفهوم الشعب أو أنهم لا يعلمون ماذا يعني مفهوم الشعب لهم وكلا الحالتين تحتاج للمراجعة .
وحين أقيّم موقف التنظيمات الاحوازية ودعمها المسؤول للثورة الإصلاحية إنما من هذا الباب إلا وهو ( مفهوم الشعب ) فهي تصرفت بهذا الإتجاه لان الثورة الإصلاحية بعلم أو دون علم إنما أعادت لحركة النضال رشدها وعقلها ، فما كان يحدث من تصرفات لا يدل أبدا إننا شعب ولنا مصلحة مشتركة ، ولا يمكن أن تكون لأي تنظيم مساهمة في المصلحة المشتركة إلا من خلال العقد الإجتماعي والسياسي بين الجميع . ومن يقول أن الأحوازيين غير جاهزين للوحدة فهو يقول أن الاحوازيين غير جاهزين ليكونوا شعبا له مصلحة مشتركة ، فمحاولة إظهار عجز الآخرين عن طريق أظهار قدرتي هو تعبير دقيق عن حالة إنفصام عن الشعب ، بإعتبار أن القادر والعاجز كلهم أبناء شعب واحد أو هكذا يجب أن يكونوا وإن محاولة فصلهم أو التمييز بينهم هو حالة أستبدادية ، ولو أني فهمت من بعض ردود الاخوة الاحوازيين أنهم لا يعرفون ماذا يعني الأستبداد فهم يعتقدون ربما أن هذه صفة مميزة للحاكم فقط وليست ممارسة لحالة أستعلائية يمارسها الكثير من الناس حتى في بيوتهم .
فخدمتي لقضيتني الوطنية تستوجب مني أن أفهم أن الوطن للجميع ، وحين أقدم خدمة فأنا أقدمها للجميع بدون أستثناء إلا من هم أعداء للوطن ، فحين أقول أن منظمة حزم تهدف لخدمة القضية الاحوازية ، وإن الجبهة العربية للمثال وليس للحصر تهدف لخدمة القضية الاحوازية أيضا ، ففي هذه الحالة أي محاولة من منظمة حزم حتى وإن كانت في السر والخفاء لإقصاء الجبهة العربية أو تقليص دورها يجب أن يرتقي لمستوى (( الخيانة )) ، وبالتالي يصبح على العقل الاحوازي المراقب سهولة ويسر في تقييم المواقف ، فأي محاولة أقصاء أو تهميش لا تخرج من اطار أن أحد الاطراف يخون الشعب ، سواء كان المدعي أو المدعي عليه .
وأعتقد أن تكريس هذه المشاهدة من اليوم وصاعدا سوف تجبر التنظيمات الاحوازية الإلتزام بمبادئ الوحدة الوطنية ومفهوم (( الشعب الاحوازي )) حتى وإن لم يتوحدوا في اطار واحد يشمل الجميع ، وإن نهج (( خالف تُعرف)) من قبل بعض النشطاء هو نهج شخصي لا علاقة له بالمواقف السياسية المسؤولة عن قضية ووطن إنما يٌعبر عن حالة أقل ما يٌقال عنها أنها غير طبيعية .
فإما أن تكون ثورة الإصلاح في حركة النضال صحيحة دون أن نشخصن العنوان وإما أن تكون ممارساتها السابقة صحيحة ، فإن كانت ممارساتها السابقة صحيحة فهذا يعني إن لدينا أكثر من قضية وأكثر من وطن لأن الحركة كانت تسير بإتجاة وطن أخر وشعب محدد في إطار محدد ، ومن هو خارج الأطار أو غير داعم وهو معصوب العين للإطار الذي كانت تراه الحركة فهو ليس من الشعب .
فالسبب الحقيقي لتجميد عضوية حركة النضال في منظمة حزم كان بسبب أعتراض منظمة حزم على حضور حركة النضال في مؤتمر القاهرة الطائفي ، وحينها بدى واضحا لنا أن الإعتراض ممنوع والإختلاف في وجهة النظر جريمة فإما أن نكون عبيد وأسياد وإما أن لا نكون .
وللحديث بقية …..
طالب المذخور .



