احتجاجات اسطنبول لن تؤدي إلى ثورة تركية بقلم: عبدالهادي الخلاقي
محاولة الإطاحة بحكومة اردوغان على الأرجح انه لم يحن وقتها أو لن يحن وقتها لان تركيا مؤخراً تعيش أجمل أيامها التي فقدتها منذ عقود طويلة والإطاحة بهذه الحكومة ليس بالسهولة كما تتوقعه المعارضة التركية ممثلة بحزب الشعب الديمقراطي العلماني.
احتجاجات ساحة “تقسيم” في إسطنبول مفتعلة ولا مبرر لها ولا علاقة لها بمطالب الحرية والكرامة التي خرجت من أجلها الشعوب العربية في دول الربيع العربي، والمتظاهرون لا يهمهم الدفاع عن البيئة ولا الحفاظ على التراث كما يُروج له البعض فمن يطالب بهكذا مطالب لا يردد “شعارات مناهضة للإسلام ولا يرفع زجاجة الخمر”، وقد حاولت قوى سياسية أن تجعل ميدان “تقسيم” ساحة للربيع التركي مع أن تركيا تعيش ربيع منذ تولى رجب اردوغان رئاسة الحكومة حيث تحقق في عهده طفرة اقتصادية كبرى، توجت مؤخراً بتخلص تركيا من جميع ديونها، وارتفع متوسط دخل الفرد في العام الماضي ليصل إلى 17 ألف و 468 دولار بينما انهارت اقتصادات دول أوروبية، وهناك ودول غربية أخرى على شفى الانهيار, بالإضافة إلى أن تركيا تعد من البلدان التي حققت تطوراً كبيراً في مجال العدالة في توزيع الدخل، ونتقلت تركيا إلى مصاف الدول المتقدمة سياسياً واقتصادياً وأصبحت قوة إقليمية كبيرة لا يستهان بها، كما إنه من المجحف بحق الحكومة التركية أن تشبه بالدكتاتوريات العربية التي تم اجتثاثها بثورات شعبية باركها الجميع.
اردوغان قيادي إسلامي استطاع أن يحقق نهضة نوعية في بلد علماني كان يخضع لحكم عسكري شيوعي علماني، فاستطاع أن يخترق المجال المحصن للنظام الجمهوري العلماني المعادي لكل التوجهات السياسية الدينية في تركيا ليغير هذه التركيبة وهذا ما لم يُرضي العلمانيين والشيوعيين من الأحزاب التركية وعلى رأسها الحزب الشعب الديمقراطي الذي يحاول أن يستغل أي فرصة للانقضاض على حكومة اردوغان.
المعارضة التركية لم تراعي حساسية الوضع الداخلي في تركيا في ظل الصراع الإقليمي الدائر في سوريا ومحاولة النظام السوري وحلفائه بإثارة الفتن والقلاقل وتحريض الشارع التركي ضد الحكومة من أجل انشغال الحكومة التركية في شئونها الداخلية والابتعاد عن دعم الثورة السورية وتحجيم الدور التركي في حل المسائل المتعلقة بالشأن الإسلامي، ونحن نعلم أن تركيا ابتعدت عن الشأن الإسلامي لعقود واليوم باتت تلعب دوراً أساسيا في العالم الإسلامي ولها وجود فاعل في حل القضايا المتعلقة في منطقة الشرق الأوسط أو الشأن الإسلامي في مختلف بلدان العالم وهذا مالا تقبله كثير من الدول التي تسعى لعلمنة العالم الإسلامي وتفتيت هويته الإسلامية ومحاولة محاربة التوجه الإسلامي.
ولاستثمار هذا الموقف حاولت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا الصيد في الماء العكر، واستغلال هذه الاحتجاجات للضغط على الحكومة التركية وإيجاد ذريعة لانتقاد الحكومة التركية التي باتت تشكل مارد يبحث عن دور أساسي في منطقة الشرق الأوسط الجديد، أما النظام السوري فرغم انشغاله في مواجهة الثورة السورية إلا انه بلا شك يجد هذه فرصة سانحة للنيل من حكومة اردوغان وسيدفع بأنصاره ومؤيديه الأتراك والسوريين في تركيا وخارجها لاستثمار هذه الأزمة من أجل الثار من اردوغان وقد شاهدنا مظاهرات احتجاجية أمام السفارات التركية في عدد من عواصم أوروبية تندد بما قامت به الحكومة التركية من تصدي للمحتجين في ميدان “تقسيم” في اسطنبول ومدن تركية أخرى وهذا بلا شك خلفه أيدي خارجية تحرك هذه الاحتجاجات لثني تركيا وتحجيم دورها الإقليمي والدولي والإسلامي ، ونتساءل: هل ستمضي الحكومة التركية قدماً في طريق الدولة الإسلامية وتتجاوز محنتها أم ستعود إلى كنف العلمانية وتبتعد عن دورها الإسلامي؟ هذا ما سيحسمه الشعب التركي الذي يعود له الفصل في اختيار مساره السياسي ولكن من المؤكد أن اردوغان لم تحن ساعة ترجله فما زال أمامه الكثير لينجزه من أجل تركيا والشعب التركي الذي أصبح تواق للحصول على المزيد من الانجازات والنمو في عهد حكومة “لا تسرق” وما هذه الاحتجاجات إلا أزمة عابرة مرتبطة بزمان ومكان ولا يمكن أن تحدث ثورة شعبية.
اللي اختشوا ماتوا:
المضحك المبكي أن اعلام النظام السوري يندد بالعنف الذي تمارسه الحكومة التركية بحق المحتجين التي استخدمت القنابل المسيلة للدموع في تفريغ المتظاهرين في ميدان “تقسيم”، ونحن نقول لاردوغان “عيب” كان من المفترض أن تكون اكثر رحمة بالشعب التركي وان تستخدم سلاح اقل فتكاً مع المتظاهرين على سبيل المثال كالذي يستخدمه النظام السوري مثل الصواريخ البالستية “سكود” والأسلحة الكيماوية والمدفعية الثقيلة والقنابل الحارقة وتستخدم الطائرات لتدمر المدن والقرى بدلاً من تفريغهم بخراطيم المياه، وأخيراً إخواننا المصريين يقولون: “صحيح اللي اختشوا ماتوا”.



