مقالات

واجتاحني حبُ كارون( الحلقة السابعة عشرة -فؤاد سلسبيل – أبو رسالة)

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 عندما جلب  الشهيد ( الحجي )، جهاز تسجيل صوتي صغير كان الغرض منه تسجيل اشعار ثورية من خلاله بصوتي، حيث إنه قال لي:

 أريد منك أن تنظم أشعارا ثورية حماسية، بحيث تهز مشاعر المستمع إليها كي تسجلها في هذا الشريط هذه الليلة، ليتسنى لنا استنساخه إلى مئات النسخ لنوزعها على بيوت المواطنين في القرى والأرياف، وأنا موجود معك لحين الإنتهاء من تسجيله.

 قبل بدء التسجيل طلب ( الحجي ) راجيا من الشاب صاحب البيت، أن يأخذ زوجته وأطفاله إلى بيت والدها القريب منهم كي لا يؤثر ضجيج الأطفال على جودة التسجيل.

بعد ذلك تم تسجيل أشعارثورية وحماسية عدة بصوتي في هذا الشريط، وكانت من بين تلك الأشعار بيوت أبو ذية حماسية لخالي الشاعر المرحوم عبد علي الفيصلي والتي يقول فيها:

الدهر خلّه النذل يحچي بعالاي

وترك سبع الذي ينهم بعالاي

لون ساعة الوكت يصفه بعالاي

أشرِّب كل خصيم سموم حيّة

*****

فعل هذا الزمن نيران واواي

بگلبي وسلب منّي العزم واواي

عجب يلعب بزور سباع واواي

هضيمة وخنفسانة تصيد حييّة

****

إلي غوي اليشن غارة ويعداي

وإلي سيف اليحط بيهم ويعداي

إلي بيوم الضنك وگفة ويعداي

أشريهم شري بكاس المنيّة

*****

 وبعد الإنتهاء من التسجيل أخذ الحجى الشريط ووضعه في جيبه تاركا لي الجهاز قائلا:

هذا الجهاز هدية الشباب الموجودين في الكويت إليك. شكرته على ذلك وركبت معه بالسيارة التي جاءت بي إلى هنا كي نرجع إلى مدينة المحمرة.

الجميع يعرف ..

من هو الشيخ ( هادي الكرمي )، ومن هو الشيخ ( عيسى الطرفي )، خصوصا أولئك الناس الذين عاشروهم وعرفوا مواقفهم، ويعرف الجميع بأنهم كانوا يرتدون ثياب رجال الدين وكانوا معممين، لكنّ إبحارهم كان ضد التيار للثورة الاحوازية وضد التحرك الجماهيري للشعب العربي الأحوازي الذي عمّ أرجاء الوطن العزيز، والكل يعرف بأن هؤلاء الأثنين كانوا إستثناءً للقاعدة، لأنهم وضعوا يدهم بيد المحتل ضد أبناء الشعب الثائر وضد الإحتلال وأثروا تأثيرا سلبيا على كثير من البسطاء باسم الدين، وكانوا يقومون بهدم كل ما كان يبنيه الأخيار الأحوازيين لوطنهم وشعبهم، والذين كانوا يهيئون لخطوات مستقبلية يتحركون على أساسها للوصول إلى الهدف وهو تحرير الأحواز من الإحتلال الإيراني.

إنّ المؤما اليهم لو أنهم ضموا صوتهم مع صوت الشهيد المرحوم آية الله العظمى الإمام المناضل الشهيد ( الشيخ محمد طاهر آل شبير الخاقاني )، لكان الشعب الأحوازي أكثر تلاحما ووحدة وأكثر صمودا بوجه الإحتلال في تلك الفترة ولما حدثت إنقسامات في صفوفه بسبب فتاويهم التي كانت تحرم الإلتحاق بركب ( الامام الخاقاني )، والثوار العرب.

 

فقد كان تحركهم التخريبي للنفوس بسبب اموال النظام الاستعماري ضد عدالة قضية الشعوب التي يتبناها الاسلام ومنها قضية شعبنا الصابر الابي الجريح، فكان تحركهم التخريبي ضد عقيدة الاسلام الحنيف ومدرسة اهل البيت عليهم السلام والتي يدَّعون بها وهي منهم براء.

فكان تحركهم وامثالهم من مرتزقة اموال النظام الاحتلال الفارسي لصالح شق صف المسلمين والعرب والوقوف بوجه الثورة العربية الاحوازية، وكانت فتاواهم ، بمثابة العوائق التي تقف في مسعى  ( الامام االخاقاني )، والذي كان ولي نعمتهم عندما احتاجوه كما تعرف العشائر الاحوازية، والذي أصبح رمزا لكل مناضل عربي في الأحواز من خلال تفانيه وإعلاء صوته المُطالِب بحقوق العرب وعموم الشعوب المضطهدة لاحقاق الحق والاسلام الحقيقي، فكانت له مواقفه المشرفة التي لا يمكن لأحد أن ينكرها إلى أبد الآبدين.

نعم هذا هو ( الامام الخاقاني ) العالم الجليل وكما يعبر عنه بحبر الامة المعاصر تشبيها بحبر الامة ابن عباس (رض) – طبعا مع الفارق الكبير بين لأثنين في العلم والحكمة والبصيرة والنسب، لأن إبن عباس هو ابن عم الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه الغر الميامين، وعاش  زمن الرسول وعاشره وتعلم منه أصول الدين وفرعه وتفقه على يد أهله آل البيت، ومن بعد الرسول أخذ ما أخذ من العلوم والفقه والمسائل الدينية والحكم والمواعظ والخطب من الإمام علي عليه السلام وبقية أهل البيت، فلكلٍ زمانه ومكانته العلمية ، وإن الشهيد الخاقاني هو المجاهد في كل العصور التي عاشها والثائر العربي الأحوازي الحقيقي الذي أفنى عمره في الدفاع عن العروبة والاسلام حتى أصبح يشار له بالبنان بسبب هذه المواقف المشرفة، والذي استشهد على بابه العشرات من المخلصين العرب لقضيتهم ورسالة ربهم، والذي تحملت عائلته السجون تلو السجون وتحمل هو وعائلته بعد هذه السجون النفي حتى استشهد في منفاه مدينة قم الفارسية بعيدا عن وطنه وأبناء شعبه وسجلت صفحات التأريخ مواقفه المشرفة هذه بأحرف من نور، وهذان هُما ( الشيخان )، ومواقفهما المشينة ( هادي الكرمي ) في مدينة الأحواز و( عيسى الطرفي ) في مدينة عبادان حينما كانوا ينفذون المخططات الخبيثة التي كان يقدمها لهما المحتل ضد كل من ينادي بعروبة الأحواز. كانت الجماهير العربية المخلصة لعروبتها، في مدينة عبادان يشكون من مواقف ( عيسى الطرفي ) وابنه ( علي الطرفي )، الذي كان قد تعمم حديثا آنذاك.  وعرف عند الناس عموما مقولة على شكل سؤال من ان:

( ألم يكن من الممكن أن يكون هؤلاء إلى جانب الوطنيين الشرفاء من ابناء الشعب العربي الأحوازي بدلا من أن يقفوا إلى جانب المحتل ويصبحون نوابا له في التصدي لكل تحرك ونشاط عربي أحوازي في مدن الأحواز؟ ).

مع الاسف ياللعار من هذه المواقف.

نعم لقد كانت لتحركات هذان الشيخان وأمثالهم من العملاء الذين ابتليت بهم حركة التحرر الاحوازية الأثر السلبي على مسيرة نضال شعبنا العربي الأحوازي آنذاك، حيث انهم تمكنوا من ان يجلبوا الكثير من أبناء العشائر خلفهم ويخدعوهم بشعارات باطلة ظاهرها اسلامي وباطنها سياسي يصب في مصلحة الاحتلال الفارسي ضد تطلعات شعبنا الذي راح يصيح وبصوت عالٍ بأن هؤلاء هم أشد قساوة على العرب من المحتلين أنفسهم، لأنّ الفرس أخذوا يضربون العرب بيد عربية وهم يتفرجون ويقطفون ثمار هذه التفرقة الذي يتم على يد أبناء الشعب الواحد مع الأسف، وتمكنوا في نفس الوقت من أن يزرعوا الفتنة المناطقية في نفوس بعض المخدوعين بهم من أبناء شعبنا، حيث عملوا على بث إشاعة تقول: إن أهل المحمرة يريدون أن يتسيّدوا عليكم يا أهالي الأحواز وعبادان وبقية المدن فاحذروهم وقفوا حائلا دون تحقيق نواياهم وأهدافهم!! حتى وصل الأمر بهم أن يهاجموا موكب الشهيد الخاقاني حينما ذهب إلى مدينة الأحواز لإلقاء خطاب في ملعب المدينة الكبير أمام ألوف من الجماهير العربية التي حضرت إلى هناك وكادوا يقتلوه ويبتلون بدمه الطاهر ويتسببون بمذبحة ضد الجماهير العربية بيد عربية لولا مشيئة الله وهيبة الحشود المؤلفة التي كانت تحيط بموكب الشهيد الخاقاني، وكذلك عند ذهابه إلى مدينة عبادان حين خطب بالجماهير التي تجمعت بعشرات الآلاف في ملعب المدينة وهتفت بإسم العروبة والأحواز وتضامنت مع الخاقاني ومع المنظمة السياسية والمركز الثقافي وكل التشكيلات السياسية العربية على طول خارطة الأحواز في المدن والقرى الأحوازية والتي كانت كلها تطالب بالحقوق المشروعة للشعب العربي الأحوازي والتي تم اغتصابها حين احتلال الأحوازمن قبل أمة الفرس على يد رضا خان عام 1925.

 

إن التأريخ لن يرحم من وقف ويقف بوجه طموحات شعبنا وعمل على الإطاحة بآماله في تحرير الأحواز من براثن المحتلين، لكن إرداة هذا الشعب كانت أقوى من هذه المحاولات الخائبة، وكم الفرق شاسع بين المواقف المشرفة والمواقف المشينة، ما بين ( الامام الخاقاني ) من جهة و( هادي الكرمي وعيسى الطرفي ) من جهة أخرى، لتكن إذا هذه المواقف الإيجابية والسلبية لكلا الطرفين دروسا يتعلم منها الجميع، ويختار الإيجابية منها من يريد أن يذكره التاريخ بخير، ومن يختار السلبية منها لا ينتظر من التأريخ إلا أن يضعه في خانة المنبوذين والملعونين والخونة.

 لتقيكم في الحلقة المقبلة إن شاء الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ملاحظة:

من أجل تزويدنا بمعلومات، أو تصحيح معلومة، أو تزويدنا بأسماء الشهداء أو بقية المناضلين الذين لربما ننساها ولا نذكرها مع الأسماء التي نذكرها في الحلقات، أو من أجل أي استفسار تودون أن تستفسروه منا، يرجى التواصل معنا عبر الأيميل التالي:


[email protected]

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى