هرع الرجال الی خارج بیت الشیخ واتجهوا نحو الجهة الشمالية من القرية حيث التلال، واذا بفارس ملثم يستقبلهم يترنح على جواده مخففا عن سرعته عند وصله الی القریة. ارخى العنان الفارس ولكن الجواد الاسود اخذ يصهل ويهلهل ولم يستقر الا بعد هنيهة من السياسة وبعد ان اخذ يبره ويمسح على رقبته و يهمس في اذنه شیئا لم یعرف فحواه!!!! هدئ الجواد ونزل الفارس ببطئ منه فاستقبله بعض الرجال لكي يأخذوا الحصان ویربطوه ویکرموا ویحیوا الضیف.
کان الفارس مرتدیا ملابس رمادیة اللون متلثما بشماغ احمر،يحمل سيفا يمانيا في قراب مرصع على جهته اليمني وعلى كتفه قوسا و حقيبة السهام ولم ينزع اللثام ، حتى قال” السلام عليكم” و انزل الشماغ عن وجهه الى تحت ذقنه واذا بشاب اسمر، وسيم يتلألأ الكبرياء من ملامحه، فخاطبه الهمام الذي كان في مقدمة المستقبلين: اهلا وسهلا بضيفنا تفضل الى دار الضيافة يا فارس.
دخل الرجل الى بيت الشيخ من الباب الکبیر وهو یتطلع علی الاسوار العالية التي تفوق الخمسة امتار و تعدى من الساحة الكبيرة ذات الاشجار والنخيل والرمان والتين التي تشبه جنة في قلب الصحراء!!! فكان ينظر بأعجاب لها ومن ثم دخلوا الى بيت الضيافة التي بني من الطابوق الاحمر وشيد على قوائم من الساروج الابيض ومن ثم النوافذ الخشبية التي طليت باللون الاصفر،حيث تناغم الالوان السحري اخذ يجذب عيون الشاب المسافر الغريب و ادهش من جمال ما لم يكن يتصور ان يراه في قلب الصحراء، حتى دخلوا دار الضيافة معا و واجه الشيخ “ابو الهمام”.
كان الشيخ جالسا على سرير من النمد الابيض الفاخر ومتكأء على وسادة من الحرير يرتدي قميصا اخضر من الاستبرق تحت عبائته البنية وبيده عصا من الخيزران اتكأ عليها حينما قام اكراما للضيف وحياه واجلسه الى يمينه على السرير. كان الشاب لا زال متحيرا مما يراه من سعد ونبل ونعمة ورخاء وینظر باحترام على الشيخ ابوالهمام ذي الجبهة العريضة والمحاسن الذي تكاد تكون كالزمهرير من شدة البياض!!!!.
بعد ان جلسوا جميعا واخذ الرجال اماكن جلوسهم تنفس الضيف الصعداء وخاطبه ابوالهمام: حياك الله يا فارس ابهجتنا بقدومك وافرحتنا بحلولك في دارنا انت في مأمن هنا وضيافة الى ما تشاء!!!!!! فقال الفارس وهو مبتسم شكرا لك يا شيخ ونعما بك ارجوا ان لا اطيل البقاء هنا لأني في الواقع في طريقي عائدا الى دياري في اقصى الجنوب وفي قلب الصحراء، حيث تركت اهلي وعيالي طالبا بعض المعرفة والسلوك في الجبال الشمالية ذات الوديان والكهوف بغية العزلة والانفراد، فبقيت عدة شهور هناك ومن ثم اردت الرجوع ولكني حينما نزلت من الجبل قبل ثلاثة ايام و وصلت فجر اليوم الى السهول اردت ان اختصر الطريق بعبوري من التلال الشمالية المتاخمة لقريتكم حتى اصل الى طريق الذي تسلكه القوافل التجارية اسرع واتقدم بيومين او ثلاثة على الاقل من المدة المفروضة التي يجب ان اصل الى اهلي وقومي بها، ولكني فوجئت بخطر عظيم في التلال كاد ان يقضي علي فلولا حصاني الاصيل وسرعته التي تشبه البرق لم استطع ان انجوا من الموت المحتوم!!!!!!.
فقال ابوالهمام: وماذا كان ذلك الخطر الذي تتحدث عنه يا فارس؟؟؟!!!
فقال الفارس: انه لخطر عظيم ويا للعجب، كيف لم تعلموا به؟؟؟؟!!!
فرد علیه ابوالهمام: هل لک ان تکون اکثر ایضاحا لما تقول ایها الفارس،لاننا لا نعرف عما تتکلم ولا نرى اي خطر يحيط بنا؟؟؟!!!
فنظر الشاب الغريب بالعجب من كلام الشيخ وقال متسائلا: هل تفقدتم رعاتكم ومواشيكم في الصحراء منذ الصباح؟؟؟!!!!!
فهنا اخذ الناس الذين في المجلس يهمهمون واستغربوا من قوله فقال ابوالهمام وهو في حيرة ولم ذلك، انهم يقومون بعملهم كالعادة، ولو حصل خطب لأرسلوا من يخبرنا لكي نتداركهم وعادة لا يكون هناك خطر لأننا اناس مسالمين اصلا وليس لنا اعداء، فكل القبائل الصحراوية والقرى القريبة والبعيدة تعرف اننا نحترم الناس ونقدرهم ولانتجاوز على احد ومن ثم مستعدين للدفاع عن انفسنا في كل وقت!!!!!!
فقال الفارس وهو مبتسم :صدقت يا شيخ ولكن مهما كنا حذرين ومسالمين ومصونين من الخطرات التي نعرفها ولكن الاخطار التي نجهلها هي التي تقضي علينا دون ان نشعر او حتى ندري من اين اتت, ولكني وقبل ان اشرح لك ماجرى علي ارجوك ان ترسل ما تتمكن من الرجال الاقوياء ومسلحين بما فيه الكفاية تحريا عن الرعاة والمواشي عسى ان يدركوا ما تبقى منها بعد ما رأته عيني من مشاهد فضيعة لأفتراس الانسان والحيوان، كدت ان اكون ضحيتها انا ايضا,فارجوا ان تسرعوا وتتحسسوا عن ما يمكن ان تجدونه من الاغنام والابل و ايضا اذا حالفكم الحظ و وجدتم احدا من الرعاة!!!! واضيف ايضا اياكم ان تنتشروا بالوديان والتلال بل ابقوا في صف واحد ولا تتفككوا في جميع الاحوال….
هنالك طلب الشيخ من اولاده الثلاثة ان يجمعوا الرجال ويذهبوا خلف الرعاة والمواشي عسى ان يجدوا اثر لهم……………..
يتبع في الاسبوع القادم
يوسف يعقوب الاحوازي
29/9/213
yousef.alahwazi@gmail.com