الأمن الوطني (4) بقلم: طالب المذخور
الغالبية العظمى من بني البشر تستخدم المرآة لتحسين مظهرها الخارجي وقلما يستخدمها البعض لحساب ضمائرهم، فما نراه في المرآة هو الضمير وليست مجرد صورة معكوسة لنا، وأعتقد أن ألد أعداء الأنسان للأنسان هي ذاته، وكما قال الله سبحانه وتعالى (نسوا الله فأنساهم أنفسهم) صدق الله العظيم.
حاسّتان شديداتا التأثير في مجمل تفاصيل حياتنا قولا وفعلا وهما العاطفة والعقل، رغم أن العقل قد لا يصنف عند الكثيرين من الحواس. وحين نتحدث عن مصير شعب وأجيال قادمة لا يعلم أمتدادها سوى الله سبحانه وتعالى، ففي هذه الحالة العقل إن كان حاكماً ظفرْ، وإن كان محكوماً عثرْ، وأرى أن بعض أخوتي من الأحوازيين يحصرون الماضي والمستقبل في زاوية الحاضر، ولا يستطيعون رؤية القضية الاحوازية إلا من وجهة نظر حضورهم الذاتي في هذه المرحلة من الزمن، وهذا أكيد يؤدي بنا إلى قصور في فهم المستقبل، كما أدى بأجدادنا وآبائنا في عدم فهم مستقبلنا.
إن تحرير الاحواز مسألة قد حسمها الشعب الاحوازي وبات الفرس يدركوها جيدا، وما بقي فهو مجرد “وقت”، سواء إن كان سنة أو عشرون سنة، فلن يكون بوسع الفرس إلا أن يستخدموا أوراقا خطيرة حسبوا لها حسابات دقيقة وسوف أتطرق لها في مقالات لاحقة، ونحن الاحوازيين إن لم نعيد النظر في ((مفهوم الوطنية)) فإننا لا محال سائرون إلى الجحيم مثل سائر شعوب الأرض، وكأنها حتمية تأريخية لا مفرّ منها، وسبق إن ذكرت في عدة مقالات سابقة إن كان معتقدنا أن الوطنية تختزل في (حب الوطن) فسوف يقتلنا هذا الحب، كما قتل كثيرا من شعوب العالم قبلنا .
فلا أحد يستطيع أن يزايد في الوطنية (حب الوطن) على معمر القذافي أو بشار الأسد وغيرهم، فهؤلاء مستعدون أن يقتلوا كل أبناء الشعب من منطلق الوطنية والحفاظ على الوطن وصون حدوده، وهكذا فعلوا، ولازال يفعله (بطل المقاومة والممانعة) الذي يجتث السوريين غير الوطنيين، كما يراهم هو، فكل من يعترض فهو أكيد أرهابي أو مرتزق ولا ينتمي للوطن السوري، إن كان لا يرى شرعية حكم أو حتى لوجود مجرم حرب أسمه بشار الأسد، ولكنه وطني يحب سوريا كثيرا ومستعد أن يضحي في سبيلها، وبشار لا يقتل بيده بل لديه أدوات قتل وهم أيضا سوريون ووطنيون !!!!!.
فتباً لهذه الوطنية التي تقتل أبنائها، فرحون جدا كانوا السادة المعارضون السوريون لحكم بشار الأستبدادي وهم يتمنطقون على شاشات الفضائيات، ولم أسمع من أي منهم من كان يعي خطورة ما يجري، وإن غاب العقل مقابل المصلحة غابت الحكمة، حينما أعلن المجلس الوطني السوري أن فترة الرئاسة ثلاث أشهر بالتناوب، قلت في نفسي بدئوا هؤلاء بتمزيق الوطن السوري، وعندما جاء الإئتلاف الوطني السوري ليصّر على الثلاثة أشهر قلت في نفسي قتلوا الشعب السوري هؤلاء، وربما يجد البعض أن الأمر طبيعي أن يتم تناوب الرئاسة كل ثلاث أشهر دون أن نعي أن هذا مؤشر واضح جدا لمسألتين، الأولى تثبيت خطوة للمستقبل الحزبي أو الشخصي، والثانية، إن الشعور بالمسؤولية لا يرتقي لمستوى أدارة دولة ومستقبل شعب وصراع مع نظام وحشي دموي طالما أعتمد لسنوات طويلة على الإخلال بمفهوم المواطنة فحوّل الشعب السوري إلى سادة وعبيد، وكثيرا منا من سمع هذه المقولة في سوريا ((أعرف بتكلم مين أولو)) .
إن الذي لا يستطيع أن يستقريء المستقبل حريّ به أن لا يتحدث عن الحاضر، فنحن أبناء المستقبل لماضي، وسنتحول إلى ماضي لمستقبل مجهول لأبنائنا. ومن يجيد منا الكتابة فهو غير مسؤول عن المستقبل إنما حريص جدا أن يخوض بتفاصيل الحاضر حتى الثمالة، فلا يعد فيما كتب غير وقت هدره فيما يضر ولا ينفع .
إن الحكمة تقتضي أن نكون حريصون جدا وذو قدرة عالية على تشخيص شواهد بسيطة وصغيرة نعدها غير ضارة، بل طبيعية في حين أنها تشكل خطورة شديدة لأنها قابلة كي تتحول إلى ظاهرة، وحينما تتحول إلى ظاهرة فيصبح من المستحيل أستأصالها من المجتمع لانها تصبح جزء من ذات المجتمع ولها جماهير، وهذا تحديدا ما حدث في ليبيا وسوريا وهذا تحديدا هو سبب نزيف الدماء في سوريا وليبيا وليس فقط من قبل النظام السوري بل من قبل الثوار أنفسهم، وأعتقد وأكيد أتحمل مسؤولية ما أكتب فإن المعارضين السياسيين السوريين هم من يتحمل وزر كبير مما جرى ويجري في سوريا بالإضافة ألى نظام بشار الأسد .
إن السياسي الذي لا يعرف مجتمعه فإن ممارسته للسياسة تعتبر جريمة، والسياسي الذي لا يعرف أن عدوه يعرف مجتمعه فهو جاهل. إن من أهم مبادئ علم السياسة أن ((تعرف عدوك)) وأهم من معرفة عدوك أن تعرف الأدوات التي سوف يستخدمها عدوك ضدك وهي أدوات تصنعها أنت ومجتمعك دون أن تدرك أنك تقدم لعدوك المحتل أدوات قتلك خصوصا في ظل إحتلال فارسي عنصري فاشي يعرف كيف يوظف أخطائنا.
قبل حقبة الإحتلال الأوربي للوطن العربي مطلع القرن العشرين، كان هناك عشرات من المستشرقين الأوربيين الذين كانوا يجوبون البلاد العربية ولسنوات طويلة، وما كان للبريطانيين والفرنسيين والإيطاليين أن يغزو بلاد العرب بدون معرفة، وكانوا هؤلاء هم من قدّم المعرفة .
إن السنوات القليلة القادمة ستكون من أهم مراحل الثورة الاحوازية، وإن لم نستطع خلال هذه الفترة الوجيزة من معالجة الأخطاء المتراكمة التي أن تم تجاهلها، فإننا سنحصد ألام ومآسي قد يتمنى أكثرنا لو مات قبل أن يراها، كما أرجو من بعض الأخوة ترك الأحاديث الملائكية فنحن لسنا أفضل من باقي الشعوب العربية بل أن المحتل الفارسي سوف يستهدفنا في الصميم، فقليل من المسؤولية قد تنقذنا من مستقبل مجهول. ولو دقق المجتهدون الملائكيون في ما يكتب على مواقع التواصل الإجتماعي فسوف يدركون تماما إن حركة النضال ربت جيل على أفكار متطرفة ضد الآخر الأحوازي، وهو مستعد أن يستهدف الأحوازي المعارض بدون تردد ولا تفكير بكل السبل المتاحة، ولو تصورنا إننا على الأرض الاحوازية فسوف نرى البندقية توجه لصدور الأحوازيين قبل الفرس، وأنا أعذر من لم يرَ البعير (الجمل) في حياته إن لم يعرف أن هذه البعرة تدل على البعير. فأتقوا الله في مستقبل أجيالكم .
وللحديث بقية



